fbpx
حوار

الراضي: لن أترشح لأي مسؤولية داخل الحزب

الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي أكد أن الاتفاق حول قواعد اللعبة سيضمن النجاح للمؤتمر المقبل للحزب

أكد عبد الواحد الراضي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الأهمية التي يكتسيها المؤتمر الوطني التاسع للحزب المزمع عقده منتصف الشهر المقبل، مبرزا أن هذه المحطة ستشكل مناسبة لطرح العديد من القضايا والمشاكل للنقاش، إضافة إلى تقييم مسار الحزب. وأوضح الراضي في حوار مع الصباح أنه لن يترشح لأي مسؤولية داخل الحزب، وأنه سيواصل عمله انطلاقا من موقعه عضوا في البرلمان، ورئيسا للاتحاد البرلماني الدولي، ورئيسا لجماعة. وتوقف الراضي عند أسباب تراجع الاتحاد الاشتراكي

 في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، وقضية المهدي بنبركة، وتقييم  أداء الحكومة الحالية بعد سنة من تنصيبها، وقضايا أخرى.  في ما يلي نص الحوار:

 

على بعد أقل من شهر من انعقاد المؤتمر الوطني التاسع للاتحاد الاشتراكي، كيف يُحضر الحزب لهذه المحطة الهامة؟
محطة المؤتمر تتجاوز مجرد التنافس على الكتابة الأولى، الأمر يتعلق بمحطة للتفكير حول القضايا والمشاكل المطروحة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذا التفكير في في الوضع التنظيمي للحزب، وهي مناسبة، كذلك، للتحضير للمستقبل. هناك رهانات وأهداف متعددة مرتبطة بتجديد القيادة والهياكل.  
لقد جرى تأسيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر في ماي الماضي، انبثقت عنها لجان متعددة، منها اللجنة السياسية والاقتصادية، ولجنة تفعيل الأداة الحزبية، ولجنة المناصفة.
ورغم  الإكراهات المرتبطة بأجواء الصيف ورمضان، اشتغلت اللجنة بمسؤولية والتزام، واعتمدنا مقاربة تتأسس حول عرض نتائج أشغال اللجان الفرعية على اللجنة التحضيرية، ثم على المجلس الوطني.  
كان هناك تباين في الرؤى حول عدد من المسائل، خاصة على مستوى لجنة تفعيل الأداة الحزبية، لكن تمت معالجتها بأسلوب ديمقراطي لم يجادل فيه أحد.

لكن بعض المناضلين احتجوا ضد ما أسموه حرمانهم من النقاش …
لقد وقع التوافق والاتفاق حول منهجية الاشتغال، وانخرط أعضاء اللجنة التحضيرية واللجان الفرعية بتفان في العمل، وتحضير الوثائق والتقارير، وكانت اللجنة التحضيرية تصادق على التقارير، غير أنه داخل لجنة تفعيل الأداة الحزبية ظلت  بعض النقط الخلافية قائمة، وكان على المجلس الوطني أن يحسم فيها، خاصة في ما يتعلق بمسألة انتخاب الكاتب الأول، هل سيتم ذلك في دورة واحدة أم في دورتين، وهل الجهاز المخول لانتخاب المكتب السياسي هو المجلس الوطني أم المؤتمر… كان على المجلس الوطني أن يحسم في هذه المسائل، لكن هناك إخوة ألحوا على إثارة النقاش مجددا، لكن المجلس الوطني قرر بالأغلبية الساحقة لأعضائه أن يحسم في النقط الخلافية، وعدم إثارة النقاش مجددا، وهذا ما كان، وحصل التصويت بطريقة ديمقراطية.

هل استفاد الحزب من الأخطاء التي ارتكبت في المؤتمر الوطني الثامن، والتي كادت تعصف بوحدة الحزب؟  
من الأهمية الإشارة إلى أننا لأول مرة نتفق على قواعد   اللعبة منذ البداية، الصعوبة الكبرى التي صادفت الاتحاديين في المؤتمر الوطني الثامن، هي أننا ذهبنا دون الاتفاق حول هذه القواعد، فاضطرنا إلى التوقف، ثم استئناف الأشغال في الشوط الثاني، الأمر يختلف اليوم، إذ حددنا قواعد اللعبة، وأصبحنا نتوفر على رؤية، وهناك فرص ضئيلة أن تحدث مشاكل أو ينعقد المؤتمر في ظروف غير مواتية.

هناك خمسة مرشحين للكتابة الأولى، ما الذي يحول دون التوافق حول شخص معين داخل الحزب؟
بدأنا  في محطة المؤتمر الوطني الثامن بالتنافس الديمقراطي. كان ثمة أربعة مرشحين، لذلك لا يجب التراجع عن هذه المنهجية ، أي منهجية التنافس الديمقراطي وتعدد الترشيحات. هناك مناضلون كانوا يميلون إلى التوافق حول شخص معين، ولكن آخرين كانوا يعارضون ودافعوا على مبدأ التنافس الديمقراطي، معتبرين أن التوافق حول مرشح بعينه  بمثابة تراجع عن المنهجية الديمقراطية. يجب الاستمرار في تكريس هذا التوجه. لقد صادق المجلس الوطني على هذه المسطرة، ثم تاريخيا، لم يكن أحدا من الزعماء الاتحاديين يُعين شخصا بعينه خلفا له، سواء تعلق الأمر بعبد الرحيم بوعبيد، أو عبد الرحمن اليوسفي، أو غيرهما. ليس ذلك من تقاليد الحزب.      اليوم يجب اعتماد معايير أخرى، أي انتخابا ديمقراطيا للكاتب الأول…

لكن نلاحظ رغم ذلك أن المرشحين لا يخرجون من الدائرة الضيقة للقيادة، بمعنى أن المجال ليس مفتوحا للتشبيب، وربما سيتكرر  هذا خلال المؤتمر الوطني التاسع. ما رأيكم؟
الأمر لا يتعلق بالسن، الوضع نفسه عاشه الحزب الاشتراكي الفرنسي، لا يمكن أن نحدد من سيكون رئيسا للحزب، الديمقراطية جيدة لا تحابي هذا أوذاك؟

ولماذا لا تتقدمون إلى الانتخابات؟
 بدأت أناضل في سن 15 سنة، في عهد الحماية، تحديدا في حزب الاستقلال. قضيت 50 سنة من العمل النضالي، أتمنى أن أكون  أعطيت للحزب كل ما كان يمكن أن أمنحه له. أعطيت الشيء الكثير، واستفدت أيضا، ولا بد أن نترك المجال للآخرين. لا بد أن نضع يوما ما حدا لمسارنا السياسي. سأواصل العمل انطلاقا من موقعي عضوا في البرلمان، ورئيسا للاتحاد البرلماني الدولي، ورئيسا لجماعة. هناك عمل كثير أمامي.

هل ستترشحون لأي مسؤولية داخل الاتحاد الاشتراكي؟
لن أترشح إلى أي جهاز من أجهزة الحزب، ولكن سأبقى رهن إشارة الاتحاد الاشتراكي، وأجدد التأكيد على أنه يجب منح فرص الاشتغال بالعمل السياسي للأجيال الجديدة.

لاحظ العديد من المتتبعين للشأن السياسي تراجعا في نتائج الحزب في الاستحقاقات الأخيرة. هل سيشكل المؤتمر الوطني المقبل فرصة لتقييم المسار؟ كيف تفسرون هذا التراجع وصعود التيارات المحافظة؟
من الطبيعي أن الأحزاب عندما تتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، تفقد شيئا من شعبيتها، وإن كنت لا أحبذ هذا التعبير.
لقد ظل الاتحاد الاشتراكي يمارس المعارضة لمدة حوالي أربعين سنة، 38 سنة بالضبط، وكان طيلة هذه الفترة يطالب بإصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية وقانونية واجتماعية وثقافية، لكن هذه المطالب كانت في إطار عام، ولم تكن خاضعة لرؤية ومعطيات مرقمة، لأننا كنا نستبعد المشاركة في الحكومة، لأن ذلك كان ممنوعا على الاتحاد الاشتراكي.
الأحزاب الأخرى كانت دائما تتناوب على الحكومة، باستثناء الاتحاد الاشتراكي، ولذلك لم يكن من المفروض علينا أن نعمل ببرنامج محدد المعالم، في إطار عقد مع المواطنين. كنا نناضل من موقع المعارضة، ونطالب بمحاربة البطالة، وتعميم التعليم، وتوفير السكن، والصحة.
وحينما دخلنا إلى الحكومة لم يحصل ذلك في إطار تناوب حقيقي، بل كان مجرد مشاركة في الحكومة، لم يكن  تناوبا بالاختيارات السياسية الأساسية، إضافة إلى ذلك أننا كنا طرفا فقط في الحكومة، إلى جانب قوى سياسية أخرى، ولم تكن لدينا بالضرورة مناصب انتخابية، بل كنا نتولى حقائب سياسية صعبة. ما حدث في 1998، في إطار ما يسمى التناوب التوافقي، لم يكن في الواقع سوى محاولة لتجاوز وضعية السكتة القلبية، أو الأزمة، التي كان يعانيها المغرب، بنوع من التصالح والتهدئة، حتى يمكن أن نباشر الإصلاحات الحقيقية. رفع الاتحاد الاشتراكي السقف عاليا. دخلنا الحكومة في فترة لم يكن الجهاز التنفيذي يتمتع بالصلاحيات والسلطات التي أصبحت الحكومة تتمتع بها في ظل الدستور الحالي.
ثم لا ننسى أن المواطنين كانت لهم انتظارات كبيرة، كانوا يعتقدون أن الاتحاد  الاشتراكي سيحل المشاكل كلها دفعة واحدة، فلا يبقى مشكل الصحة ولا التعليم، ولا البطالة قائما، وهو أمر مستحيل لا يوجد في أي مجتمع.  
رغم ذلك، أرى أن الاتحاد الاشتراكي، بالإضافة إلى نضاله من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات  وكل الشعارات التي رفعها حينما كان في المعارضة قدم خدمة كبيرة للمغرب، إذ أنه أدخل عنصر المحاسبة والجزاء في الحقل السياسي، وإلا قولوا لي هل كانت ثمة حكومة تحاسب قبل تولي الاتحاد الاشتراكي مهام تدبير الشأن العام؟ أبدا، الاتحاد  الاشتراكي هو الذي أدخل ما يمكن أن نسميه مفهوم “معاقبة الحكومة” من طرف الشعب، ويكون جزاء الشعب جزاء ديمقراطيا.
وهذه المسألة ستتكرس مستقبلا، ولا يمكن أن نتراجع عنها، وهي متضمنة في الدستور. الاتحاد الاشتراكي ساهم في وعي المواطن في ما يخص محاكمة المسؤولين عن تدبير الشأن العام، وهذا جيد بالنسبة إلى الحياة الديمقراطية.
أعتقد أنه يجب اليوم استغلال ظروف المرحلة للتأسيس لتقاليد جديدة. لدينا فرصة سانحة لتدبير الشأن العام بطريقة مغايرة وأفضل، وإذا لم نقم بذلك سنكون حبيسي الطريقة القديمة في الحكم. يجب ابتكار طرق أفضل. من واجب الحكومة أن تُحدث تقاليد جديدة في الحكم، ولذلك شددنا على ضرورة الشروع في تنزيل الدستور. يجب الخروج من الجمود، منذ الاستقلال إلى اليوم، خاصة منذ 1960 إلى 2011 حكمنا بالطريقة نفسها، وفي 1998 جاء التناوب التوافقي الذي شكل دعما معنويا مكن من إنجاز إصلاحات مهمة ، ومن واجب الاشتراكيين أن يبادروا إلى تقييم حصيلة فترة التناوب. هذه الحصيلة لم نقم بها أبدا، قمنا بإصلاحات سياسية وحقوقية كبرى، على مستوى حرية التعبير والصحافة والحريات الفردية والجماعية، إصلاحات على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والصحية، ووضعية المرأة، وذلك خلال فترة مهدت للتناوب الحقيقي الحالي .
تعلمون أنه في سنة 1998 كان هناك نقاش طويل داخل الاتحاد الاشتراكي حول مسألة الدخول في الحكومة، كان هناك من يقول لا يجب قبول المشاركة في الحكومة إلا عن طريق الانتخابات، والجزء الآخر كان يدافع عن التناوب التوافقي، بالاتفاق مع الملك، على اعتبار أن الاتحاد ظل يُمنع من تدبير الشأن العام بإرادة السلطات العليا.  
ورغم مشاركتنا في الحكومة، كنا نناضل من أجل الإصلاحات الدستورية والسياسية، وبعثنا مذكرة الإصلاحات إلى الملك، لأن تجربتنا أقنعتنا أنه يجب أن ينخرط المغرب في إصلاحات كبرى، كان هناك من يتحفظ وكان العديد من حلفائنا من الأحزاب ترى أن الوقت غير ملائم، لكن ما حدث في إطار الربيع العربي منح الحق للحزب، ونعتبر في الاتحاد الاشتراكي، أن الخطاب الملكي لـ 9 مارس يعتبر جوابا على مطالبنا الإصلاحية، لأنه حينما طالبنا بالإصلاحات لم يكن ذلك من أجل البهرجة السياسية والدعائية، بل نعرف حقائق المشاكل المطروحة وأهمية الإصلاحات، خاصة في ما يتعلق بتوزيع السلط وتوازنها.

بالنظر إلى تجربتكم، أليس من المفروض أن تأخذوا من موقعكم في المعارضة المبادرة وتتقدموا بمقترحات قوانين، وهنا نلاحظ أن الفريق النيابي للحزب لم يلعب دوره كما ينبغي؟  
تطبيق الدستور مهم، لكن الطريقة لا تقل أهمية أيضا. لقد تم إعداد الوثيقة الدستورية من خلال مقاربة تشاركية، وسن القوانين يجب أن يتم بشكل تشاركي، المعارضة وحدها لا يمكن أن تقوم بمبادرات. المعارضة تلعب دورا في التشريع من خلال اقتراح التعديلات وفي كل الدول، فرنسا مثلا، مشاريع القوانين لها الأسبقية، النائب ليس خبيرا، ليس الوزير هو من يعد نصا قانونيا، بل الإدارة بما تتوفر عليه من خبراء.

قررتم إثر نتائج اقتراع 25 نونبر أن تخرجوا إلى المعارضة في سياق احترام إرادة الشعب، هل من الممكن أن تغيروا رأيكم اليوم وتشاركوا في الحكومة؟
لا، خبرتي بالحزب تؤكد أن لا وجود لأي احتمال للمشاركة في الحكومة في الوقت الراهن. الحزب في حاجة إلى أن يصلح نفسه وسيخصص كل الوقت لذلك. لكن بالمقابل، ينتظرنا دور هام كمعارضة، إذ يتعين علينا أن نسهر على تطبيق  الدستور والقوانين بشكل سليم، والحفاظ على المكتسبات والدفاع عنها والضغط من أجل المزيد من الإصلاحات، هذا هو دورنا كمعارضة وسنتصدى لكل الاختلالات والتجاوزات. لا نبحث عن المواجهة، بل نشتغل بمنطق الإقناع، وبهذه الطريقة نحضر التناوب المقبل أيضا،   ولذلك أقر الدستور مكانة متميزة للمعارضة، ويجب أن تقوم بوظائفها. عمل المعارضة هو المشاركة في مناقشة القوانين والتصويت عليها، وتقديم الاقتراحات والبدائل عن طريق الحوار الذي يوجد في صميم الديمقراطية، الحوار الجدي والمسؤول حول قضايا جوهرية، لكن مع الأسف لم ننجح في  التأسيس لهذا الحوار سواء في البرلمان أو حتى داخل المجتمع، بل  كل ما نلاحظه هو هيمنة البوليميك حول التفاصيل، حول أشياء هامشية تافهة.

عقدتم، أخيرا، لقاء مع حميد شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال، ما تقييمكم له؟
كانت زيارة ود ومجاملة لا غير، فبعد انتخابه أمينا عاما لحزب الاستقلال، قام شباط بزيارة عدد من أمناء الأحزاب، ليس للأمر أبعاد أخرى.

هل يعني لقاؤكم بشباط أن صفحة تصريحاته حول المهدي بنبركة طُويت؟
تعرفون، لو توقفنا عند تصريحات هذا الزعيم السياسي أو ذاك، لما أمكن الحوار والتواصل والتعاون…

ألم يفاتحكم في أمر المشاركة في الحكومة؟
 الاتحاد الاشتراكي اتخذ قرارا مسؤولا ومدروسا بالخروج إلى المعارضة، ولا يمكن أن يغير رأيه بين عشية وضحاها، لأن الحزب الذي لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية قراراته ليس حزبا، وإلا فما لذي وقع في المغرب، حتى يغير الحزب رأيه من مسألة المشاركة في ظرف سنة واحدة؟ لا يمكن تدبير الشأن العام بدون رؤية

ما هو تقييمكم للعمل الذي تقوم به الحكومة الحالية؟
لا يمكن عرض تقييم شخصي لأداء الحكومة، لكن هناك مؤشرات يمكن أن تشكل منطلقا للتقييم، وأول مؤشر هو مدى توفر الحكومة على القدرة على الاستشراف الذي يعتبر أساسيا في تدبير الشأن العام، بمعنى أنه لا يمكن أن ندبر الشأن العام بدون رؤية على المدى القصير والمتوسط والبعيد، وهذا يستلزم التوفر على مشروع مجتمعي، أن نعرف أين نريد أن يتجه المغرب. وأعتقد أن لا أثر لوضوح الرؤية لدى الأغلبية الحالية. تدبير الشأن العام يعني أيضا القيام بإصلاحات، وسن تشريعات، ومن هذا المنظور نشير إلى أن محاربة الريع تستلزم نصوصا تشريعية. إن قضية الرخص هي امتيازات كانت مقبولة في  المجتمع، ويجب محاربتها بالقانون، لابد من مشروع قانون يجرم الامتيازات، ويجب أن نكون صرحاء في هذا السياق.
لقد بدأ تطبيق نظام الامتيازات في عهد الحماية، إذ كانت السياسة المطبقة تخضع لمنطق الجزرة والعصا، بمعنى أن الامتيازات كانت توجه للفئات الخاضعة والمستفيدة، أما الرافضون للخضوع، فكانوا يخضعون للعصا.
يلاحظ ضعف في الإنتاج التشريعي، إذ أنه خلال سنة واحدة من عمر الحكومة، لم يتم إصدار سوى قانون تنظيمي واحد. إن تدبير الشأن العام يقتضي أيضا وفق الضرورات اتخاذ المبادرات، والمضي قدما لاستجابة للانتظارات القائمة، وليس انتظار خروج الناس إلى الشارع للاحتجاج، على الأقل حتى يحسوا أن الحكومة تقوم بمبادرات ولا تنتظر. إن تدبير الشأن العام وفق مقولة “العمل بما نستطيع” لا يستقيم، بل يجب العمل وفق مخطط  تشريعي خاضع لجدولة زمنية واضحة. ويجب خلق الثروات لتلبية حاجيات المواطنين. إن حكومة لا تخلق الثروات لا يمكن أن تلبي حاجيات الناس، ويجب العمل من أجل  تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، بالإضافة إلى ذلك يجب بذل الجهد من أجل معالجة عدد من الملفات المطروحة، مثل إصلاح صندوق المقاصة، وأنظمة التقاعد. إن سنة واحدة من التجربة الحكومية كافية لكي نتعرف على ما تريده الحكومة وتكون لدينا رؤية للأشياء، لكن ما يلاحظ هو غياب هذه الرؤية، نحن لا نريد معجزات، ولكن نتساءل عن مخطط عمل والرؤية الواضحة.
إضافة إلى الحكامة، يجب الإسراع في تنزيل الدستور، هذه أولوية مطلقة، خاصة أن الدستور يتضمن العديد من الإصلاحات، وعندما طالبنا بمراجعته استحضرنا وقعه على الواقع المعيشي اليومي للمواطنين، الديباجة مهمة في هذا الإطار بما تتضمنه من مبادئ وقيم حول الحريات الفردية والجماعية. الدستور جاء بمبادئ عامة تجب ترجمتها من خلال القوانين.  
المعطيات الخاصة بملف بنبركة في فرنسا

أسالت قضية المهدي بنبركة الكثير من الحبر،  في الفترة الأخيرة،هناك من يؤاخذ على الوزراء الاتحاديين الذين تعاقبوا على قطاع العدل عدم تحريكهم للملف، ما رأيكم؟
بالنسبة إلى قضية المهدي بنبركة، لا بد من الإشارة إلى أن فرنسا هي التي شكلت مسرح الجريمة والأبحاث والمحاكمة، وبالتالي كل المعطيات المرتبط بهذا الملف توجد بهذا البلد، وليس لدى وزارة العدل المغربية معطيات تهم هذه القضية. أنتم تعرفون أنه في لحظة ما طلب قاضي التحقيق الفرنسي من نظيره المغربي التعامل مع الملف في إطار الإنابة القضائية، لكن حدثت أشياء أدت إلى عرقلة الملف، إذ حل  قاضي التحقيق الفرنسي بالمغرب دون موعد وبصفة غير صفة القاضي ولم يحدث تفاهم فعاد من حيث أتى. بعد ذلك، طلب المغرب عبر وزارة العدل، معلومات من القضاء الفرنسي، ولم تتوصل الوزارة طيلة الفترة التي كنت على رأسها بأي رد، وهذا الجواب كان من شأنه أن يعطي انطلاقة جديدة للإنابة القضائية.  
مـتـابـعـة عـلـيـوة فـي حـالـة سـراح   
 
أثار اعتقال خالد عليوة جدلا واسعا، ويلاحظ أن الاتحاد الاشتراكي لم يتحرك للتضامن معه إلا في وقت متأخر، ما رأيكم؟
حصل خلاف في الموضوع، لم تكن لدينا الإرادة للتأثير على سير العدالة، ولذلك امتنعنا عن التدخل في الموضوع، ليست لدينا رغبة في الدخول في مضمون الملف، لكن نطالب بتطبيق الدستور والقانون. إن كل متهم هو بريء، حتى تثبت إدانته، لكن الاعتقال الاحتياطي يحرم المتهم من هذا المبدأ.
 لقد تم استدعاء عليوة عدة مرات في إطار التحقيق، وظل يلتزم بالحضور، وكان من الممكن أن يخضع للمراقبة القضائية أو طلب كفالة، ثم إن عليوة كان وزيرا سابقا ومسؤولا داخل الحزب، وحتى لو انعكست أطوار هذه القضية سلبا على الحزب، فإنه من واجبنا التأكيد على أن تتم المتابعة في حالة سراح.
الـكـتـلـة فـي وضـعـيـة سـكـون

هناك من يتحدث عن موت الكتلة، ما رأيكم؟
الكتلة في وضعية سكون، إنها هامة باعتبارها إستراتيجية للإصلاحات وليس لتدبير الشأن العام، هناك سوابق تاريخية، ففي سنة 1959 خلال انشقاق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال، عشنا فترة صراع دامت أزيد من عشر سنوات، لم يحصل فيها أي تقارب أو محاولة الدخول في حوار مع حزب الاستقلال، لكن في 1972 حصل الحوار في إطار الكتلة الوطنية التي شرعت في التفاوض مع الملك الراحل الحسن الثاني حول مسألة الإصلاحات و الدستور، والذي كان يشارك في المفاوضات شخصيات وازنة من طينة علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد وامحمد بوستة… صحيح أن المفاوضات لم تقد آنذاك، إلى نتيجة لكن شكلت حدثا، ونجحت جزئيا إن أمكن القول من خلال قبول الإصلاح الدستوري.
ظلت الكتلة قائمة إلى  سنة 1977 لحظة الانتخابات التشريعية التي قادت إلى تشكيل حكومة شارك فيها حزب الاستقلال فيما بقينا  نحن في المعارضة، وفي 1985 خرج الاستقلال من الحكومة والتحق بنا في المعارضة، وتدريجيا حصل التنسيق أولا على مستوى البرلمان ثم تطور إلى المستوى الحزبي، ما أعطى الثقة بين الطرفين.
خلال تقديم ملتمس الرقابة في 1990، أكد الحسن الثاني أن الرسالة وصلت، وكان الاتصال بزعماء أحزاب الكتلة، وفي 1992 نشأت الكتلة الديمقراطية، وطالبنا بالإصلاحات، بعدها شارك الاتحاد الاشتراكي والاستقلال في الحكومة في 1998، لذلك أقول إن الكتلة مفيدة للدفع بالإصلاحات قدما، وليس لتدبير الشأن العام.
لقد ساهمنا في الإصلاحات وفي إقرار دستور 2011. واليوم أصبحنا أمام واقع أن الاستقلال يشكل طرفا في الحكومة، فيما يوجد الاتحاد الاشتراكي في المعارضة، تماما كما حدث في 1977، وربما ستتغير الأمور في المستقبل، من يعلم؟ الخلاصة هي أن الإصلاحات الكبرى لا يمكن أن يقوم بها حزب واحد مهما كان وزنه.

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق