fbpx
ملف الصباح

أزمة القطاعات الاجتماعية … قصوري: في الحاجة إلى المسؤولية

> ما أثر فشل السياسات العمومية على أزمة القطاعات الاجتماعية الحيوية؟

> إن الأزمة تتجاوز القطاعات الاجتماعية الحيوية (التعليم، الصحة، العدل)،التي تعطاها الأولوية في النهوض بالتنمية والمجتمع، إلى باقي القطاعات، وتحيلنا إلى مسألة بنيوية وهيكلية تتعلق بتعميم فشل السياسة العامة في تدبير الشأن العام. ليس هناك اليوم قطاعات ناجحة في المغرب، بالنظر إلى المجهودات المالية والمعنوية (التكلفة والقوانين التشريعية والخطابات والتصورات المصاغة) التي تبذل، والنتائج المحققة (الممارسات الفعلية)، البعيدة عن انتظارات المواطنين، وذلك يرتبط أساسا بثقافة تدبير الشأن العمومي، التي مازالت قائمة على الارتجال والشخصانية وعدم الاستحقاق وغياب المسؤولية. هناك العديد من المسؤولين ذوي النسب والشهادات العليا، والشخصيات المحمية، التي لا تشتغل ببرامج وطرق علمية ومعرفية، بل تخضع فقط لتعليمات وتوصيات، في حين أن تدبير السياسة العامة ينبغي أن يخضع إلى المسؤولية، المرتبطة بقيم أخلاقية في التدبير الإداري، مع الاستناد على أسس علمية تثبت الاستحقاق، وتعطينا النتائج الإيجابية والإنجازات، ونحن اليوم تنقصنا المسؤولية وليس الكفاءة.

> ما دور الحكامة الجيدة في تجاوز هذه الأزمة؟
> إن الحديث عن الحكامة الجيدة يستلزم ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتنزيل الشعارات إلى أرض الواقع، وهذا يفضي بنا إلى إعمال آليات الديموقراطية والشفافية وتكافؤ الفرص، مع ترك المزاج والشخصانية والاشتغال بطريقة علمية أثناء التخطيط وتنزيل البرامج، ثم توفير جميع الوسائل الضرورية للعمل(القوانين والإجراءات والأدوات والوسائل المادية والاستثمارات واللوجستيك)، حسب الشخصيات والمستفيدين والأهداف، إذ لا يمكن أن نعطي مسؤولا عن قطاع ما تصورا كبيرا وأهدافا ضخمة، مع ظروف اشتغال غير مناسبة أو مدة زمنية ضيقة، بالإضافة إلى المراقبة والمتابعة والعمل الجماعي، والتقويم والمرونة والتدرج والاستشراف في تنزيل المشاريع والبرامج، للوصول إلى مخارج ونتائج إيجابية تحقق الحد الأدنى المطلوب. كما يجب أن نمر إلى درجة قصوى من الزجر، بدل الاكتفاء بتقديم توجيهات للمسؤولين.
إن ما يقوم به مجلس جطو في ترشيد القطاعات والسياسة العامة وتخليقها وتثبيت معايير التقييم والتقويم العلمي الجيد بهذه القطاعات، جيد جدا، ولكنه رغم العمل الجبار ما يزال في المرحلة الأولى من عمله، الذي بدأ يعرف نوعا من المقاومة من قبل السياسيين والمسؤولين عن القطاعات، ذلك أن قضاته لم يتجاوزوا مرحلة التوجيه والإشراف، ليتحولوا إلى قضاة حقيقيين لهم القدرة على المساءلة ودفع الملفات للمحاسبة، وهذه هي المرحلة التي ينبغي أن يمر إليها المغرب، وإلا فلا فائدة من مجلس جطو. وفي السياق ذاته، نجد أن لدينا اليوم خطابات ملكية كثيرة في الأخلاقيات، وأخرى للمسؤولين في مختلف القطاعات، كالعدل مثلا، إذ نجد أن جميع المسؤولين القضائيين الكبار، سواء في المجلس الأعلى أو النيابة العامة، يتحدثون عن الأخلاق والتخليق، لكن خطاباتهم تظل بعيدة عن الممارسة، في حين أنهم يتوفرون على العديد من البرامج والحجج والملفات التي لا يضعون اليد عليها لتخليق هذا القطاع الحساس، الذي له ارتباط بحقوق الناس، ناهيك عن القضاة الذين يشتغلون بمزاجية، دون أن يحاسبهم أحد، ويكادون اليوم يشكلون أمة داخل الأمة، ودولة داخل الدولة، وهذا خطير على المجتمع.

> ما هي الحلول التي تقترحونها لإرجاع ثقة المغاربة في هذه القطاعات؟
> لابد من الاستمرار في الجهود وتعزيزها وتوسيعها وتعميقها حتى تعطي النتائج المرغوبة، بشكل تدريجي، على المدى البعيد للوصول إلى مرحلة إعادة الثقة. ولاننس أن مسألة التدبير لدينا أصبحت مسألة ثقافة، تشمل الفساد والرشوة والمحسوبية والزبونية والإفلات من العقاب والشخص والهالة وغيرها، وثقافة تتطلب وقتا طويلا ومجهودات جبارة لتغييرها. كما أن المواطن بدوره ينبغي أن يغير هذه الثقافة التي يعد جزءا منها، لأنه لا يتحمل مسؤوليته ويترك الأمور كما هي، مكتفيا بالنقد وجلد الذات دون بذل جهود للتغير. من جهة أخرى، يجب أن نتخلى عن تحزيب الأشخاص، ونقوم بفصل الشخصيات ذات المناصب عن الأحزاب التي تنتمي إليها، لأن كل مسؤول يعتبر موظفا في القطاع الذي يرأسه، ولا ينبغي أن تكون له مظلة الحزب، أو مظلات تبعية لأشخاص آخرين يقومون بحمايته، بالنظر إلى أن الإدارات والقطاعات لدينا اليوم تحولت إلى محميات، وهذا هو الخطير.
* أستاذ جامعي وباحث
أجرت الحوار: يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى