fbpx
ملف الصباح

عبد السلام … وداعا “مجانية” التعليم

يحمل عبد السلام، الشاب في الحي المحمدي بالبيضاء، بين كتفيه هموم الدنيا، ورأسا حبلى بأحاسيس غدر الزمان، فعجزه عن توفير حاجيات أسرته جعله منعزلا، بعدما أعياه البحث في كل الاتجاهات عن طوق نجاتها ومساعدتها في مصاريف التمدرس والنقل والمواد الغذائية وكبش العيد والتطبيب.
عينان تبرقان، مثل وميض، خاصة حين يقترب نهاية كل شهر، ثم سرعان ما تخفتان في الأسبوع الأول منه، حين يدس يديه في جيبه، طمعا في العثور على ورقة مالية زرقاء تنقذ يومه من البؤس.
يعترف عبد السلام أنه ليس الحالة الوحيدة في حيه التي تعاني بسبب ارتفاع تكاليف العيش، وحين تستفسره عن السبب يلعن الحياة وبؤسها، إذ يضطر إلى صرف أغلب راتبه في تمدرس أبنائه وتطبيبهم في القطاع الخاص، مادام يؤمن عن قناعة أن التعليم العمومي ضياع للأبناء، والمستشفيات العمومية وسيلة للقتل، وليس العلاج، حسب قوله، ثم يشرع في سرد أمثلة كثيرة عن أبناء جيرانه الذين توقفوا عن إتمام دراستهم في التعليم العمومي، أو يقص فواجع أقربائه كادوا يموتون بسبب اللامبالاة والإهمال في المستشفيات العمومية.
اعتقد عبد السلام، قبل إنجاب أبنائه، أن راتبه الشهري سيكفيه في تكاليف الحياة، فاقتنى هاتفا ذكيا وحاسوبا وآخر المنتجات الإلكترونية، ثم غرق في بحر ديون البنوك.
يحمل عبد السلام كل صفات بطل قصص التعاسة، حتى أصبح يتوسل إلى أصدقائه لإقراضه، بعد كل ضائقة صحية تلم بأفراد أسرته، واستغل علاقاته في استدراج المتعاطفين معه، دون أن يعبأ بانتقادات بعضهم لمسار حياته، فهو، حسب قوله، يقاوم الفقر، ويتشبث بتوفير تعليم جيد لأبنائه، مهما كلفه الأمر.
يبدو عبد السلام أمام أصدقائه مختلفا، فهو منهك القوى، وشارد وشديد التوتر، وفقد كل المناعة التي تحصنه من الشعور بالفقر، حتى غابت شخصيته القوية التي طالما أبهرت أصدقاءه.
إن سألت مقربا منه عن أحب شيء إلى قلبه، سيجيب بدون تردد إنه “يتمنى أن يهاجر إلى أوربا”… فقد بلغ مرحلة الحرمان، والسنوات الطويلة في العمل لم تجعله ثريا، ومازال يقاسي في توفير أبسط الضروريات.
حين بدأت المشاكل المالية تتوالى على عبد السلام تخلى عن هدوئه، وغابت ملامح وجهه البشوشة التي طالما كانت تزيل كل الحواجز أمامه، واختفت النكتة من حديثه، وفي المرات القليلة التي يضحك فيها يتفادى السخرية، فحياته انقلبت رأسا على عقب.
لا ينعم بالهدوء، و بالكاد تظهر ملامح وجهه، مثل الأشباح، وأصبح زاهدا، وخجولا، ويرفض اللقاء بالأصدقاء، ويفضل التأمل، في انتظار الفرج.
يجيب صديقه المقرب، أنه يعيش ظروفا مالية صعبة جدا، ويتمكن من توفير أبسط الضروريات بصعوبة، لأنه اضطر إلى الاقتراض للحصول على سكن، بدل الكراء، ثم اقترض مرة ثانية من أجل اقتناء سيارة، ثم مرة ثالثة من أجل دفع تكاليف دراسة أبنائه بالمؤسسات الخصوصية، وما إن ينتهي قرض حتى ينطلق آخر، فأصبح يجد صعوبة كبيرة في الوفاء بالتزاماته المالية.
أصبح عبد السلام يكره الحياة، فكل شهور السنة عذاب لا يطيقه.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق