fbpx
حوادثمقالات الرأي

فتوخ: الغرفة الجنائية لمحكمة النقض وحماية الحقوق والحريات 3/1

اعتبرت أن مجرد الاستدعاء لا يمكن أن تترتب عنه الآثار القانونية (3/1)

بقلم: د. حسن فتوخ *

إذا كانت الأحكام القضائية هي الوجه الآخر لحقوق الإنسان بجميع أجيالها وأنواعها المثبتة في المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، فإن السلطة القضائية مدعوة في الوقت الراهن إلى بذل مزيد من الجهد لمواصلة الانخراط الجماعي في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتعزيز ثقافة الديمقراطية، والإسهام في تنمية كافة قطاعات المجتمع الاقتصادية والسياحية والثقافية، بما يجسد صورتها المشرقة والنموذجية عن دورها الحيوي وطموحها النبيل والدائم لبلوغ أقصى درجات العدل والإنصاف، وتحقيق أرقى مستويات الأمن والطمأنينة للمواطن، وفق رؤية اجتهادية تروم استشراف مستقبل المغرب الحديث بالثقة اللازمة لخلق نموذج مغربي يزاوج بين التشبث بثوابت المملكة وروح العصر المتسمة بالطابع الكوني لحقوق الانسان، انسجاما مع التوجهات الملكية السامية الرامية إلى تطوير العدالة والرفع من أدائها.

يكتسي موضوع حماية الحقوق والحريات بالمغرب أهمية بالغة بالنظر لآثارها على المستوى الاقتصادي، الاجتماعي، الأمني، والثقافي، ويفرض علينا جميعا كل من موقعه، ضرورة الانخراط في هذا الورش الإنساني بضمير مسؤول وفكر متجدد من أجل وضع إستراتيجية كفيلة بضمان العدل والإنصاف في مغرب والكرامة والحرية والمساواة.
وانطلاقا من المكانة الهامة والمحورية التي تتبوأها السلطة القضائية بالمغرب، ودورها الرائد على المستويين المغاربي والإقليمي والدولي، فإننا سنعرض لأهم التوجهات القضائية التي كرستها محكمة النقض في مجال الحقوق والحريات في بعدها الإجرائي والموضوعي من خلال محورين اثنين:

المحور الأول: العدالة في بعدها الإجرائي
1 – في إطار تحديد طبيعة الأموال المودعة بحساب المحامين، اعتبرت الغرفة الجنائية بمحكمة النقض بمناسبة قضية تتعلق بتنازع الاختصاص، أن تدبير وتسيير هيأة المحامين لحساب ودائع وأداءات المحامين يتم تنفيذا لنص المادة 57 من القانون 28.08، كما أن مسك الهيأة للحساب المذكور، لا يجعل منها مصلحة ذات نفع عام، ما دامت الصبغة الأساسية للمهنة هي الاستقلالية، من جهة، ومن جهة ثانية، لأن موارد الحساب ليست متأتية من أموال عمومية، ما دام من الثابت أنها مملوكة للمحامين ولموكليهم، أي لخواص. هذا فضلا عن أن قانون المهنة، نص على أن الحساب المذكور يقع تحت المراقبة المستمرة لنقيب الهيأة وأعضاء مجلسها عند الاقتضاء، من دون أن يكون النقيب في ممارسته لهذه المهمة محاسبا ماليا، بدليل أن طريقة تنظيم الحساب المذكور حددت بالنظام الداخلي طبقا للفقرة الثامنة من المادة 91 دون أن يكون للأجهزة العمومية أي دور.
فالنقيب، وبمجرد توصله بالودائع يقوم بواسطة معاونيه بإشعار أصحابها دون أن تكون له أي صفة عمومية في ما يقوم به، بل يغلب عليها الطابع المهني المتسم حسب فلسفة قانون مهنة المحاماة بالاستقلالية، كما أن اعتبار ما يتعرض له المحامي أثناء تأدية واجبه المهني من اعتداء يشكل إهانة بمفهوم الفصل 263 من القانون الجنائي، لا يصلح أساسا قانونيا للقول إن المحامي يدخل في زمرة المعنيين بمفهوم الموظف العمومي، لأن هذا المقتضى، إنما هو مقرر للتدليل على تحصين حق الدفاع الذي يمارسه المحامي، ولم يتم إيراده ليعتبر موظفا عموميا تسري عليه أحكام الفصل 224 و 241 من القانون الجنائي.
2 – في إطار تكريس عدالة إيجابية متطورة ومتجددة، تصون الحقوق والحريات اعتبرت محكمة النقض أن خلو المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية من تعيين جهة قضائية للنظر في أوامر وإجراءات التحقيق التي تجري، حسب الفقرة الثانية منها، بالكيفيات العادية نفسها للتحقيق، يحتم على الغرفة الجنائية سد هذا الفراغ القانوني، ومد مراقبتها إلى ما ذكر بغاية تقويم أي مس محتمل بالحريات أو بالقانون، بما ينسجم مع مهامها الرقابية على المقررات القضائية.
3 – وحرصا منها على ضمانات المحاكمة العادلة اعتبرت محكمة النقض أن مجرد الاستدعاء لا يمكن أن تترتب عنه الآثار القانونية. والمحكمة لما أشارت إلى استدعاء المتهم دون ذكر توصله من عدمه طبقا للفصل 308 من (ق.م.ج)، يكون قرارها خارقا لحق الدفاع .
4 – وتأكيدا للضمانات نفسها، قررت محكمة النقض أن المحكمة لما اعتدت بعدم حضور الطاعن اختياريا، رغم وضعية الاعتقال التي كان عليها ولم تعمل على إحضاره، وأدانته في غيبته بجناية وعاقبته عنها بحكم وصفته بمثابة حضوري في حقه، بعدما أثبتت فيه أنه بلغ بتاريخ الجلسة وتخلف عنها رغم توصله، يكون قرارها خارقا لحقوق الدفاع .
5 – ورعيا لسلطة محكمة الإحالة في إعادة مناقشتها للقضية من جديد مع التقيد بالنقطة القانونية الواردة بقرار محكمة النقض، تم التأكيد على مبدأ هام مفاده أنه إذا كان أثر قرار النقض والإحالة هو إعادة القضية وطرفيها إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور القرار المنقوض، فإن ذلك لا يمنع المحكمة من إعادة مناقشتها للقضية من جديد والتقيد بالنقطة القانونية الواردة بقرار محكمة النقض، وبالتالي فإنها لما اكتفت بالقول بأن قرار محكمة النقض قد حاز الصفة النهائية وأحجمت عن مناقشة القضية مكتفية بتحديد العقوبة فقط، يكون قرارها مشوبا بعيب فساد التعليل المنزل منزلة انعدامه .
6 – وتكريسا لحقوق المشتبه فيه بمجرد إيقافه من قبل الضابطة القضائية ، اعتبرت محكمة النقض في أحد قراراتها أنه لما كان محضر الضابطة القضائية المؤسسة عليه محاكمة الطاعن احترمت فيه كافة الشروط الشكلية المتطلبة قانونا وتم تضمينه إشعاره بدواعي اعتقاله وبحقه في التزام الصمت، وفي توكيل محام للدفاع عنه، فإن المحكمة حينما تأكدت من سلامته من دون أن يثبت لديها ما يعد خرقا للمقتضيات القانونية المحتج بها، تكون قد ردت ضمنا الدفع المثار، فجاء قرارها بذلك سليما ومعللا.
7 – وبالمقابل، وحسما للجدل القائم حول حجية محضر أعوان المياه والغابات، تبين لمحكمة النقض من خلال إجراء مقارنة نص الفصل 60 من ظهير 10/10/1917 باللغة العربية وترجمته إلى اللغة الفرنسية، يتبين أن الصياغة باللغة العربية منافية لروح هذا الظهير الذي أخذ بمرونة الإثبات في الفصل 58منه، كما تتعارض بمعناها اللفظي الصرف القاضي بوجوب كتابة المحضر بخط يد محرره مع التطور العلمي وما استحدث من طرق للكتابة، والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما فسرت الفصل 60 باعتماد الدلالة اللفظية السطحية حسب صياغته باللغة العربية ورتبت على ذلك بطلان المحضر، وقضت بعدم قبول المتابعة، يكون قرارها فاسد التعليل الموازي لانعدامه .
8 – واحتراما لمبدأ الشرعية الجنائية في شقه الإجرائي قررت محكمة النقض حصرية الطعون الواردة في قانون المسطرة الجنائية، معتبرة في أحد قراراتها أن التعرض في الميدان الزجري على الأحكام الغيابية عموما لا يجوز بصريح مقتضى المادة 393 من (ق.م.ج)، إلا إذا ارتبط بعقوبة، وفي الشق المرتبط بالإدانة بالنسبة للمتهم، وفقط في الشق المتعلق بالحقوق المدنية بالنسبة إلى الطرف المدني والمسؤول المدني.
* رئيس مكتب الودادية الحسنية للقضاة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى