fbpx
خاص

“الكرة الأرضية” … العبث بذاكرة

معلمة تحولت إلى مزبلة بعد أن تعطلت بها الإصلاحات لسنوات

في قلب البيضاء توجد “كرة أرضية”، ليست مثل باقي المعالم التاريخية، شيدها فرنسي عشق المدينة، وطمرها مسؤولون تعاقبوا على تسييرها… كل البيضاويين يتذكرون قصصهم تحت كرة مزركشة الألوان تثير فضول الأطفال، بها ممر تحت أرضي تنعكس أشعة الشمس عليه، فتضفي عليه سحرا، ويرم الزوار في بحيرته الصغيرة قطعا نقدية ويتسابقون الزوار لالتقاط صور فوتوغرافية عن فضاء كان متنزها بعبق التاريخ، فأصبح خرابا.

إنجاز: خالد العطاوي – تصوير: (عبد الحق خليفة)

لكل مدينة في العالم حكاية وقصة تنفرد بها، لها علاقة بتاريخها وإرثها… إلا البيضاء.

وجل المجالس المنتخبة العالمية تحافظ على معالم مدن تُسيرها، ولا تهم تكلفتها المالية أو صرف ميزانية لصيانتها، مادامت واجهة تحفظ حضارتها، وتصنع مستقبلها … إلا في البيضاء.
يوشك قلب العاصمة الاقتصادية على التوقف، فهو مريض، يحتاج للإنعاش المستعجل، لكن المسؤولين عن المدينة يأبون إسعافه، بل يعلنون الوفاة لضيق ذات اليد، في مدينة ميزانيتها تقدر بالملايير، فهم بخلاء حين يتعلق الأمر بمعلمة كانت جميلة، وكرماء في إنجاز دراسات بالملايين، سرعان ما يتخلون عنها بوضعها في الرفوف.
ربما يستطيع عمدة البيضاء إقناع الأغلبية والمعارضة بتزفيت زقاق أكثر من مرة، بعد إعادة حفره، لكنه يعجز عن الوفاء لناخبين يرون معلمة صغيرة في الحجم، وكبيرة في قلوبهم تتهاوى أمام أعينهم، ولا يستطيعون إنقاذها.
عبثا، حاول مجلس المدينة أن يقلل من شأن معلمة في حجم الكرة الأرضية، إذ تجاهلها بداية، حتى أصبحت مطرحا للنفايات، ووعد بإصلاحها، فأخلف الوعد، وتعهد بجعلها أيقونة المدينة، فتجاهلها، ثم تحولت إلى نقطة سوداء في “إنجازات” المجلس.
ما لم يستوعبه عمدة المدينة ومكتبه المسير أن “الكرة الأضية” ليست عبارة عن قطعة زجاجية بألوان جميلة، وممر تحت أرضي كان يبعث البهجة في القلوب، فهي وجدان البيضاويين وتاريخهم وأحلام طفولة آبائهم وأجدادهم، ويكفي الرجوع إلى صور الزمن الجميل، ليرى العابثون كم أذنبوا في حق ذاكرة المدينة.
قصة الكرة الأرضية طويلة وجميلة، لكن حاضرها مؤلم يدمي القلب، ويكشف عجز أكبر مدينة في المغرب عن إصلاح معلمة.
مرحاض كبير وفضاء ل “الفراشة”
خططت أيادي العبث بدقة للإجهاز على معلمة “الكرة الأرضية”، ويشهد ماضيها القريب أنها كانت ممرا أرضيا جميلا به باعة معروفون، ووسطه بحيرة مائية صغيرة، يرمي فيها البيضاويون قطعا نقدية جلبا للحظ، ويلتقط السياح صورا فوتوغرافية تخليدا للذكرى، في مشهد رومانسي جميل، خاصة مع انعكاس ضوء الشمس على الألوان المتعددة.
انقضى ذاك الزمان بسرعة، وبلغ ذروته في 2013 ، حين أصبحت المعلمة مرحاضا كبيرا يقضي فيه المتشردون حاجتهم، وينامون فيه بعد أن يسدل الليل ستاره، وبقي المجسم الملون ينتظر الحسم في مصيره، لكن دون جدوى.
اختفى الممر تحت الأرضي بسرعة، وعلت مداخل “الكرة الأرضية” الأزبال، ثم تراكمت مثل التلال، فاحتلت المساحة الخضراء، وانبعثت منها روائح كريهة تزكم الأنوف.
يقول أحد البيضاويين متحسرا: “كنا ننتظر نهاية الأسبوع بفارغ الصبر، للذهاب إلى مركز المدينة… نرتدي أجمل ملابسنا، قاصدين “الكرة الأرضية من أجل التنزه والتقاط صور فوتوغرافية، أما في شبابنا، فأصبحت فضاء للقاء، وفي شيخوختنا تحولت إلى مرحاض”.
حرص السياح وزوار المدينة، في عصر الكرة الأرضية الذهبي، على التقاط صور فوتوغرافية داخل النفق، فهي تؤرخ لذكرياتهم الجميلة، أما الآن فحتى الحيوانات الضالة ترفض المرور بجانبها من شدة وساختها، وكل ما بقي في ذاكرة البيضاويين صورها الجميلة.
اعتقد البيضاويون أن المسؤولين عن المدينة ترق قلوبهم من وضعية المعلمة التاريخية، ف”لا يمكن لمجلس منتخب يسيره العقلاء أن يتخلى عن أحد رموز المدينة بسهولة، مهما كانت مداخيله المالية ضعيفة.

الـــعــــبـــث
شيدت “الكرة الأرضية” في منتصف السبعينات من القرن الماضي، وصممت لتحتل فضاء حيويا بقلب العاصمة الاقتصادية، وأبدع مهندسها الفرنسي فرانسوا زيفاغو ابن البيضاء، في تصميمها، إذ كان يحلم أن يكون هذا الممر معلمة يتباهى بها البيضاويون، الأمر الذي دفعه إلى جعله ممرا للراجلين ومكانا يزوره السياح، وكل من وطئت قدماه مركز المدينة.
تحقق حلم المهندس الفرنسي، لكن لم يصمد كثيرا أمام العبث، فسرعان ما تحول إلى فضاء لـ”الفراشة”، ثم غزاه الباعة الأفارقة، وعجزت المعلمة عن الصمود طويلا، فتم إغلاقها بدعوى الترميم، وهي حيلة صدقها البيضاويون أول الأمر، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام صدمة التخلي عنها نهائيا.

وعود لا تتحقق
انتبه المسؤولون عن تسيير المدينة في 2017 إلى إهمالهم إحدى أهم معالم المدينة، وأمام ضغط الجمعيات بدأ الحديث عن إصلاحها، فوعدوا بعودة الحياة إليها باعتبارها رمزا ثقافيا وسياحيا من رموز العاصمة الاقتصادية، وتحدثوا عن مشروع إعادة تهيئتها، وفق اتفاقية بين شركة التنمية المحلية “البيضاء للتراث” وشركة “الأجيال” الكويتية القابضة، قيمتها حوالي 15 مليون درهم، ونصت على إعادة الرونق لهذه المعلمة الحضارية، ناهيك عن جعل ممرها التحت أرضي مزارا لسكان العاصمة الاقتصادية، وفضاء لاحتضان أنشطة ثقافية وتجارية.
صدق البيضاويون الوعود، خاصة أن بنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين همت محيط “الكرة الأرضية” بطريقة تتناسب مع غنى مركز المدينة الذي يزخر بعراقة تاريخه ومعماره، لخلق جاذبية للسياح ومواكبة التنمية الحضرية للمدينة، وكذا “إعادة تأهيل الممر الأدنى بطريقة راقية ستمحو تلك الصورة القاتمة والهشة”، كما قال الموقعون على الاتفاقية، إضافة إلى أنها ستصبح فضاء أنشطة تجارية وثقافية ستضمن حركية المعلمة وسيرورتها.
وتهدف الاتفاقية، كما سوق إليها المسؤولون، إلى “الحفاظ على الطابع الشعبي للبيضاء لتمكين السكان من استعادة التراث، مع تسليط الضوء على حركة العاصمة الاقتصادية وطابعها المعاصر”.

أشغال مع وقف التنفيذ
ظلت أشغال ترميم المعلمة التاريخية بطيئة، ولم يجد البيضاويون من يسعفهم في معرفة الأسباب ، ورمى كل الموقعين على الاتفاقية المسؤولية على الجهة الأخرى، علما أن شركة التنمية المحلية “البيضاء للتراث”، هي الحاصلة على تفويض المشروع، ليتم تسليمه الى “شركة الدار البيضاء للتهيئة”، مع شركة “الأجيال” الكويتية القابضة، في عملية أطلق عليها “إعادة تأهيل معلمة الكرة الأرضية”.
فجأة توقف المشروع، وأدلى عمدة المدينة بتصريح اعتبره البيضاويون مهزلة، إذ كشف عبد العزيز عماري، عمدة المدينة، أن سبب تعثر الأشغال بمعلمة “الكرة الأرضية” راجع إلى “عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار في المعلمة وإعادة تأهيلها”. وقال إنه “تم إصلاح الشق العلوي من الكرة الأرضية من قبل شركة الدار البيضاء للتراث، أما بالنسبة إلى الممر تحت أرضي، فإن شركات القطاع الخاص لم تبد أي اهتمام، لأنها تعتبرها مشروعا غير مثمر، مشيرا إلى قرار المجلس بتكليف شركة البيضاء للتسيير بإعادة تأهيل المعلمة.
طوى عمدة البيضاء صفحة “الكرة الأرضية” إلى الأبد، رغم أنها تشكل إحدى الأولويات في الاهتمام بمركز المدينة وتاريخه، لكنه، لا يجد حرجا في وأد أحلام البيضاويين باستعادة تراثهم.

ليمينة: عمدة البيضاء يستهتر بالذاكرة
قال المهدي ليمينة، المهتم بالشأن المحلي، إن لمعلمة “الكرة الأرضية” سحرا خاصا في ذاكرة البيضاويين، وذاكرتهم تعود إلى سنوات خلت حين شكلت فضاء جميلا تقصده العائلات، نهاية كل أسبوع، من أجل التنزه، خاصة أنها شيدت في قلب العاصمة الاقتصادية.
وأوضح ليمينة أن البيضاويين يتذكرون علاقتهم الوطيدة بهذه المعلمة الفريدة، التي كانت تجذب السياح إليها، فيلتقطون صورا فوتوغرافية بالممر تحت أرضي، حيث أشعة الضوء والبحيرة الصغيرة.
وقال ليمينة في شهادته : يستحيل الحديث عن البيضاء، دون معلمة “الكرة الأرضية”، لكن للأسف، فكل المجالس المنتخبة التي تعاقبت على تدبير شؤون البيضاويين، خاصة المجلس الحالي، لم تحافظ على تراث المدينة، علما أن مدن جميع الدول، وعواصمها الإدارية والثقافية والاقتصادية، تصرف ميزانيات كبيرة لصيانة معالمها الثقافية والتاريخية، و أمثلة استهتار مجلس المدينة بالتراث كثيرة، يكفي ذكر النفايات بشارع محمد الخامس والإهمال بفضاءات كثيرة.
أستغرب بصفتي مهتما بالشأن المحلي من تصريحات عبد العزيز عماري، عمدة المدينة، حين ادعى أن “الكرة الأرضية” لم تستهو القطاع الخاص للاستثمار فيها، فمتى كان التراث اللامادي يقارن بالميزانيات المرصودة له أو يخضع لأهواء المستثمرين، وصعب جدا على المسؤول الأول عن المدينة التصريح بهذه التبريرات، ما دام دوره يتمثل في الحفاظ على الإرث اللامادي والثقافي للمدينة.
نتأسف على مثل هذه التصريحات اللا مسؤولة، فالمفترض تدافع الأحزاب، ومنها الحزب الذي ينتمي إليه العمدة، على المعالم التاريخية لا أن يتجاهلها، لأنها ببساطة تسوق لمدينة تعتبر الوجهة الاقتصادية ويفترض فيها أن تحافظ على كنوزها الثقافية، خصوصا أمام شعارات المدينة الذكية التي يستحيل تطبيقها، دون الاعتماد على تاريخ المدينة ومعالمها الثقافية.
إن الحقيقة التي لم يود العمدة الكشف عنها، هي تهرب مجلس المدينة من مسؤوليته والتي حملها له البيضاويون منذ انتخابه في 2015، إذ لم نلمس أي خطوة حقيقية، بعيدا عن البهرجة في الاهتمام بالمآثر والحفاظ على ذاكرة المدينة، علما أن المجلس فوت عدة قطاعات لشركات التنمية المختصة في التراث التي انطلقت متعثرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى