مجتمع

الإسعـاف الخـاص … “الهميـزات”

سائقون متهورون ينصبون على الزبناء مقابل آلاف الدراهم

ما إن يسدل الليل سدوله على قسم المستعجلات بمستشفى ابن رشد بالبيضاء، حتى تصطف عشرات سيارات الإسعاف الخاصة أمام مدخله، مترصدة ضحايا المرض والحاجة، ممن يبحثون عن سبل لإنقاذ أرواح ذويهم مهما كلفهم الثمن. في المقابل، يتسابق بعض سائقي هذه السيارات لتقديم عروضهم لأي زبون محتمل، ليس بدافع تقديم المساعدة، بل للنصب على المواطنين، وتحقيق الربح السريع والمضاعف بأقل مجهود ممكن. للوقوف على طبيعة الخدمات التي يقدمها هؤلاء السائقون، وأشكال النصب والاحتيال التي يمارسونها في غياب المحاسبة والمراقبة، قامت “الصباح” بجولة ليلية في محيط المستشفى الجامعي “ابن رشد” وقابلت بعضا منهم ومن ضحاياهم، لتنقل لكم جانبا من واقع هذا القطاع غير المهيكل.

“شي أمبيلونس؟.. آجي، نتصاوب معاك” هذه هي العبارة التي تتكرر على مسامع المارة الذين يمرون بجانب سائقي سيارات الإسعاف الخاصة، المصطفة أمام المستشفى الجامعي ابن رشد بالبيضاء. هذه السيارات التي يفترض أن تقوم بتقديم الإسعافات الأولية والعلاج للمرضى أو المصابين في الحالات الطارئة، أثناء نقلهم لمراكز الرعاية الصحية، لا تقدم لزبنائها سوى خدمة النقل، بالإضافة إلى “الأوكسيجين” الذي يعتبرونه وسيلة تغني المريض عن أي تدخل طبي أو وسائل إسعاف أخرى.
خدمات مدفوعة

يرتفع سقف الشروط والخدمات التي يقترحها هؤلاء السائقون، بارتفاع كرم الزبون وقدرته على التضحية بالمال من أجل إسعاف أصدقائه أو أحد أفراد عائلته، فتبدأ من خدمة الأوكسيجين وتوفير سرير لنقل المريض، إلى نوعية السيارة وتجهيزاتها التي تكاد تكون منعدمة، كما يسارعون إلى فتح الأبواب الخلفية لسياراتهم، من أجل عرض الأسرة الموجودة بداخلها على الزبناء، معددين لهم بروية أثمنة الخدمات الإضافية التي قد يرغبون فيها، غير مبالين بجدية الأوضاع التي يعيشونها، أو عجلتهم لإنقاذ روح حياة شخص على المحك.

600 درهم مقابل “شاريو”

أخبرنا أحد سائقي سيارات الإسعاف الخاصة، أننا نرغب في نقل مسنة من حي سباتة إلى مستشفى ابن رشد، بسبب ظهور أعراض النوبة القلبية عليها، وضرورة نقلها للمستعجلات من أجل حقن الإبرة التي اعتادت حقنها بـ”ميريزكو”، فسألنا “هل تستطيع التحرك؟”، وأجبناه بالنفي، بدعوى أنها تصاب بشلل نصفي حينما تصاب بأعراض النوبة المبكرة، ثم عددنا له باقي الأعراض الأخرى التي تظهر عليها، لكنه لم يبد اهتماما بما أخبرناه به، وشرد في التفكير قليلا قبل أن يقاطعنا قائلا “واش عارفين الثمن بعدا؟.. 300 درهم لأذهب وأحضرها إلى المستشفى، و300 لأخذها إلى المنزل بعد العلاج”، فطلبنا منه تخفيض الثمن قليلا، لكنه أبى قائلا “هاذي هي الطريفة هنا… ماعندكومش عيطو لسيارة الإسعاف ديال الجماعة”.
تركنا السائق الأول واتجهنا نحو آخر كان يجلس في الجهة الخلفية لسيارة الإسعاف التي يسوقها، فسألناه بدوره عن كلفة نقل المسنة التي تجمعنا بها علاقة قرابة، فأخبرنا بالثمن ذاته، قائلا “يجب أن تفهمي أننا نوفر للمريض سرير نقل مريح، ونتركه له داخل المستشفى إلى أن يتلقى العلاجات الضرورية، حتى ولو اقتضى الأمر إدخاله للإنعاش لساعات… وفي جميع الأحوال، ستضطرون لدفع ثمنه بالمستشفى، حتى ولو قمتم بإحضارها في سيارة أحدهم … هنا فميريزكو غيطلبوا منك 200 درهم مقابل الحصول على الشاريو (سيارة النقل)، حتى لو كانت تتوفر على الراميد”.

1200 درهم لخدمة “الأوكسيجين”

بعد دقائق من الاستماع لخطاب سائق سيارة الإسعاف الثانية، حول تكاليف الرحلة التي يربحون فيها “غير البركة”، على حد قوله، أقنعناه باهتمامنا بعرضه وسألناه عن نوعية الخدمات الأخرى المقدمة، فقال “كل حاجة وثمنها… هاد الساعة كاين غير الأوكسيجين، لكنه مكلف نوعا ما، إذ سيرفع الفاتورة إلى 1200 درهم للرحلة، ذهابا وإيابا”، واستطرد حديثه بحسرة مصطنعة ” نحن ندفع 350 درهما مقابل ملء قنينة الأوكسيجين…عاد زيد المازوط الذي يكلفنا ميزانية كبيرة… الناس يظنون أننا نكذب عليهم، لكنهم يجهلون مدى صعوبة مهنتنا وقلة ذات اليد، لأننا لا نشتغل في مهنة تضمن لنا مدخولا قارا”. أما عن مرافقة طبيب أو ممرض للمريض، فأخبرنا أنه يشتغل مع مساعد له، لا يتوفر على أي شهادة أو تكوين في المجال، بل يتولى مهمة وضع الأوكسجين والإمساك جيدا بالسرير المتنقل، كي لا يهتز عند المرور بالضودانات”.

قطاع غير مهيكل

اتضح لنا، بعد سؤال عدد من سائقي سيارات الإسعاف بالمنطقة، أن أسعار خدماتهم موحدة فيما بينهم، وانصرفنا بعد أن أكدنا لهم عودتنا، بعد إجراء مكالمة للاطمئنان على حال قريبتنا، فاعترضت طريقنا أربعينية كانت في انتظار وصول أصدقاء أخيها الذي أغمي عليه وقرروا نقله إلى المستشفى، وحذرتنا من التعامل معهم بعد أن تابعت تهافتهم على الإيقاع بنا، مؤكدة أنها تعرضت للنصب من قبل أحدهم في مرة سابقة، وأضافت قائلة “هذا القطاع غير مقنن أو مهيكل، وكل واحد فيه يلغي بلغاه… إن السائقين متهورون بشكل لا يوصف… كل همهم أخذ المال مقابل الوصول في أسرع وقت… إنهم لا يتوفرون على رخصة سياقة خاصة بسيارة الإسعاف، لأنها بالأساس غير موجودة، ولا يتوفرون على تكوين في مجال الإسعافات الأولية أو تقنيات ومهارات نقل المصابين والمرضى دون التسبب في مضاعفات جانبية وغير محمودة، كما أنهم يربطون علاقات خاصة مع المصحات الخاصة ومختبرات التحاليل الطبية، ومراكز الفحوصات، التي يحفظون أسماءها عن ظهر قلب ويعرضون على كل من يصعد معهم، لائحة أسعارها والخدمات التي تقدمها، سعيا لإقناعه بالتوجه لأحدها، ونيل عمولة من قبل أربابها، عن كل مريض يأخذونه إليها”.

يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق