fbpx
افتتاحية

الإجهاض

رسالة إلى حاملي معاول الهدم، والمصطادين في البرك الآسنة، وانتهازيي السياسة: وسطية واعتدال المغاربة مفتاح التغلب على اختلافاتهم، وعنوان لمغرب يؤمن بالحوار والاجتهاد، ويرفض الانغلاق والتطرف.
يجري سجال حقوقي وديني بخصوص الإجهاض، ما يعكس حيوية مجتمع يستمد قوته من قيم الوسطية والاعتدال، ويطمح إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، بموازاة مع الحفاظ على هويته ومعتقداته، إلا أن تعدد التأويلات والفهم أسقط النقاش، أحيانا، في جدال عقيم، من تجلياته الأزمة بين الأغلبية والحكومة، التي أدت إلى تأجيل مناقشة تعديلات القانون الجنائي تحت قبة البرلمان منذ 2016.
لم يستوعب “المتخاصمون” في ملف الإجهاض، أن تعدد القراءات والرؤى السياسية فرض نفسه على المثقفين والمجتمع والمؤسسات الدستورية، ما يعكس طموحا جماعيا لاعتماد مقاربة شمولية تضمن حقوق المرأة وجنينها، رغم التباين الحاد في تحريمه أو إباحته.
هناك مقولة بليغة مفادها: “قطرة قطرة يحمل الواد”، تعكس العبقرية في مواجهة الإشكاليات والأزمات السياسية والحقوقية، إذ لا بد من تحقيق تراكم في زوايا القراءات، والإجابة عن أسئلة غامضة، واستشراف الانعكاسات للوصول إلى مقاربة شمولية، خاصة أن النقاش حول الإجهاض لم يعد شأنا خاصا، بل عاما يستدعي الوصول إلى نتيجة نهائية، لاجتياز حقل مليء بالألغام، ويفرض فتح الباب أمام المختصين والعلماء، بعيدا عن تطرف المواقف والتشدد.
لا ينتبه المتناحرون حول تجريم أو إباحة الإجهاض، أن هناك نقط التقاء كثيرة، أكثر من جدالهم، فالإسلام دين التسامح ونصوصه وأحكامه ليست جامدة، حتى أن اجتهادات علماء أباحته في حالات معينة، خاصة تلك التي يكون فيها الجنين معرضا للتشوه الخلقي، أو إذا كان وضع الحمل يشكل خطرا على حياة المرأة، كما أن الدفاع عن إباحته مشروع، وفق ضوابط محددة، دفاعا عن حرية المرأة في التصرف في جسدها وحماية للأسرة نفسها لأنها ركيزة المجتمع.
نحتاج إلى نقاش، بعيدا عن “السياسوية”، لا خطوط حمراء فيه، ولا وصاية لجهة على أخرى، وينأى بنفسه عن الإيديولوجيات، والحسابات السياسية الضيقة جدا، والأمثلة كثيرة في قضايا اعتمدت المقاربة التشاركية والتشاورية، التي تشكل صمام أمان للمجتمع ضد أشكال الانغلاق والتطرف.
نتوق إلى روح إيجابية في مسار تعديل المقتضيات القانونية المرتبطة بالإجهاض، بموافقة فقهاء الدين والقانون وخبراء الصحة، وتعكس إجماعا وطنيا وتتجاوب مع المؤسسات الدستورية، بعيدا عن الوصاية، ودفاعا عن الحريات الفردية والحقوق الجماعية المحصنة بالدستور والقوانين… حينها نستطيع الافتخار بإنجازات جسدت الاستثناء المغربي، سلاحها الاعتدال والانفتاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق