ملف الصباح

الابتزاز الالكتروني … بنزاكور: المغربي “ماراضيش على راسو”

شدد على ضرورة التمييز بين المجرمين والضحايا في تصفية الحسابات على النت وصنف المبتزين إلى نوعين

فسر محسن بنزاكور، متخصص في علم النفس الاجتماعي، لجوء المغاربة لوسائل التواصل الاجتماعي من أجل تصفية الحسابات، والابتزاز والتشهير، بعوامل نفسية وسوسيولوجية، مشيرا إلى أن تهافت المغاربة على الفضائح ناتج عن سعيهم إلى إعطاء صورة مثالية عن نفسهم على حساب فضائح الآخرين. تفاصيل أكثر في الحوار التالي :
> ما الدافع وراء لجوء بعض رواد النت إلى الابتزاز والتشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي ؟
> هناك قاعدة أساسية تقول بأن ما وجد حقيقة في الواقع الإنساني انتقل بالضرورة إلى الواقع الافتراضي، أي أن ما يشكل شخصية الإنسان في تعامله مع الآخرين في الواقع، هو ذاته في العالم الافتراضي، فحينما يكون الإنسان في علاقة غير متوازنة أو مختلة مع ذاته، قبل أن يكون مع الآخر، يلجأ للنزاع بكافة أشكاله، ويختار أحد الأسلوبين لفضه، إما عن طريق الحوار والتواصل والاتفاق، أو اللجوء للعنف، سواء عن طريق الابتزاز أو العنف النفسي أو الجسدي أو الضغوط أو غيرها، بما في ذلك أساليب الابتزاز التي نراها في وسائل التواصل الاجتماعي، وتصيب ضحاياها بضرر نفسي كبير، كما تشكل ضغوطا عليهم، تضع المبتز في موضع قوة، وتزيد من حدة مخاوفهم بالمقابل، لأنها تصبح متاحة للعلن ولأقرب الناس إليهم.

> كيف يمكن تحليل نفسية المبتزين ؟
> هناك نوعان من المبتزين : المحترفون لهذه العملية الإجرامية، والذين يكون غرضهم القضاء على الآخر، إما نهائيا عن طريق قتل شخصيته أو إقصاؤه من منافسة معينة، أو تحقيق أهداف مالية أو جنسية أو مهنية، ككسب مراتب في العمل، أو غيرها، وليس فقط الانتقام أو استرجاع إحساس ما عن طريق سلوكهم هذا، ثم النوع الثاني كالمراهقين، الذين لا يملكون القدرة على المواجهة، فيلجأون إلى هذه الوسائل وإلى مواقع التواصل الاجتماعي التي تغنيهم عن اللقاء المباشر مع الآخر، وتعتبر بمثابة وسيط بينهم وبينه، وهؤلاء أشخاص يعانون ضعفا من الناحية النفسية، ويكفي مواجهتهم مع الشخص الذي يبتزونه حتى يتوقفوا عن ذلك، لأنهم يكونون في موقف خوف من المواجهة والفضيحة، حتى وإن كانوا يمارسون هذه الفضيحة أو الابتزاز.

> ما أثر هذا النوع من الابتزاز على الضحايا ؟
> الابتزاز هو المرحلة التي تسبق الفضيحة، إذ يتم تهديد الضحية بحدوثها، والخاضع للابتزاز آنذاك يراعي لسمعته ووضعيته الاجتماعية والنفسية، إذ غالبا ما تكون لعلاقته مع الآخرين قيمة كبيرة بالنسبة إليه، وكلما تم زادت مدة ابتزازه بهذه الطريقة كلما زادت مخاوفه. ومع مرور الوقت، تبدأ تجليات المخاوف والضغوطات التي يخضع لها ضحية الابتزاز، في الظهور بحياته العادية وعلاقته مع الآخر، سواء من خلال الغضب والقلق النفسي، أو اللجوء للعنف دون مبرر، ويضطرب توازنه النفسي، لذلك اعتمد المغرب قانونا للحماية من الابتزاز والتحرش وتقديم السند والمعونة للضحايا، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، علما أن الشخص الذي يكون في موقع ضعف، لا يملك القدرات على الخروج من الابتزاز والمضايقات والضغوطات.

> ماذا عن أولئك الذين يربطون علاقات مع الفتيات بغرض الاستغلال الجنسي والابتزاز؟ هل يتعلق الأمر بنرجسية مرضية؟
> الأمر هنا يتجاوز النرجسية المرضية. هناك نوعان من المبتزين الذين يدخلون في هذه الخانة : النوع الأول الذي يقوم بذلك بسبب عجز جنسي، أو ضعف في القيم والأخلاق، يجعله عاجزا عن إقناع الآخر بالعلاقة، والتفكير في اللجوء لمثل هذه الأساليب، من أجل الحفاظ على العلاقة، ولو كان ذلك عن طريق الابتزاز ومقايضة الطرف الآخر بكرامته وشرفه، سبيلا للتحكم فيه وإرضاء الوهم الذي يعيشه. والنوع الثاني (محترفون)، الذي يلجأ لذلك كوسيلة مسبقة للوصول إلى غرض جنسي تافه، أي أنه يربط علاقة مع فتاة ما بنية مبيتة، ويوهمها أنها علاقة عادية مبنية على الحب والاحترام، لكنه يحاول كل الوقت أن يصطاد بعض الصور، وسيلة للابتزاز وقضاء مصالح ذاتية أو المعاشرة الجنسية غير المؤدى عنها.

> هل يمكن القول أن لضحايا التشهير أو الابتزاز بالفيديوهات أو الصور عبر النت، يدا في ما لحقهم من تبعات سلبية لأفعالهم؟
> يجب أن يفهم الخاضع للابتزاز أنه ليس مجرما أو سببا في حصولها، لأن الخلل يكمن في اعتبار نفسه شريكا في الجريمة، وليس ضحية، تماما كما يقع بالنسبة للإنسان الذي يتعرض للاغتصاب، فلا يميز بين ما إذا كان ضحية أو مشاركا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الجريمة، مع أنه هو الضحية، لأنه أمر تتداخل فيه عدة عوامل كالطابوا والعار والشبهات والمخاوف. وعموما، يجب رفع لطابو على العلاقات بين الطرفين، كي لا تصبح ورقة رابحة في يد المبتزين، ولا يجب أن يسيطر الخوف على العلاقات، لأنه يجعل الطرف الأكثر خوفا عرضة للاستغلال من قبل الآخر، حتى في العلاقات الشخصية التي تكون متداخلة مع العلاقات المهنية، والتي يجب أن يميز فيها الشخصان بين العمل وبين العلاقة الشخصية، كي لا تصبح وسيلة للضغط والابتزاز في العمل.

> كيف يتم اختيار ضحايا التشهير والابتزاز ؟
> اختيار الضحايا، يكون بناء على دراسة وتتبع مسبق للضحايا، فمثلا هناك الأشخاص المتصالحون مع ذواتهم، الذين لا يجدون حرجا في نشر صور أو فيديوهات تعتبر طابوها بالنسبة للآخرين، ويصعب التأثير عليهم بالتشهير أو الابتزاز، وهم في الغالب غير مستهدفين، بل يتم اللجوء لأمور أخرى من أجل الإيقاع بهم، كأن يمارس المبتز معهم الجنس بشكل مباشر ويصورهم، ثم يهددهم بالسلوك القانوني وليس بالسمعة، كأن يهددهم بنشر المحتوى في أوساط عملهم، لتصبح بذلك فضيحة جنسية أو مقايضة بالجنس وليس ابتزازا، وشتان بين الأمرين.

> هل تتم بلورة هذه السلوكات في العالم الواقعي، كما في الافتراضي؟
> الأمران معا محتملان، فإذا كان المبتز محترفا فالأمران سيان بالنسبة إليه، إذ تكون لديه المهارة والإمكانيات للتشهير أو الابتزاز في العلم الواقعي كما الافتراضي. لكن هناك المختصون في العالم الافتراضي فقط، الذين لم يسبق لهم أن مارسوا الابتزاز في العالم الواقعي، وهؤلاء عادة ما يكونون مبتدئين ومراهقين يقومون بذلك فقط عبر جهاز الحاسوب أو الهاتف. أما من يستطيع أن يجمع بين الاثنين فهو جان محترف، لأن الابتزاز في الواقع يحتاج أشياء كثيرة منها السلاح الأبيض، والمكان الحرج، وعدد من التحركات في الواقع.

> بماذا نفسر التهافت والإقبال المجتمعي على الفضائح داخل مواقع التواصل الاجتماعي ؟
> الإنسان بطبيعته يحب تتبع أعراض وعورات الناس والفضائح، سواء في الواقع أو العالم الافتراضي، ونعطي مثالا على ذلك تجمهر المغاربة حول الفضائح في الشارع أو حوادث السير والشجارات. وهذه الظاهرة انتقلت بطبيعة الحال إلى الواقع الافتراضي، لكن الخطير، هو حينما يتحول الأمر إلى نسبة خيالية من المشاهدات وملايين المتابعين للفضائح، وهذا يدفعنا لطرح السؤال : لماذا يحرص المغربي على تتبع العورات والفضائح، ولا يعطي الأهمية نفسها للمجال العلمي أو المعرفي؟ هل هو فراغ أم تراجع للتكوين في القيم، أو ضغوطات نفسية ومخاوف، يريد تفريغها من خلال مشاهدة عورات الناس؟ أو أنه ببساطة «ماراضيش على راسو»؟ أو أن هذه الفضائح تترجم المسكوت عنه في المجتمع المغربي، وهما طابو الحياة الجنسية والتربية الجنسية الغائبة، أو كل هذه العوامل التي تدفع كل شخص إلى إعطاء صورة مثالية عن نفسه على حساب فضائح الآخرين، مع أن لكل فرد نصيبه مع الفضائح.
أجرت الحوار : يسرى عويفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض