fbpx
افتتاحية

أم المصائب

قدرُنا أن نسبح في النهر نفسه أكثر من مرة، وأن نغترف من الأخطاء ذاتها لعدة مرات.
كبار نحنُ في الإبداع على الورق، وصغارٌ حين نقرر تنزيل ذلك على أرض التنفيذ. نرسم الطريق بدقة، ثم نتيه بين إشارات المرور والتشوير حتى نصطدم بالحائط.
هذا قدرنا الذي اعتدنا عليه منذ عقود، حيث قوانينا “الجيدة” في واد، وتنفيذها في واد آخر، لكن أن يصل الخلل إلى قطاعات نعلق عليها كل الآمال للخروج من دائرة التخلف، ومرافق تعتبر أساس دولة الحق، فتلك مصيبة كبرى، لأن صفة دولة القانون ليست إلا تحصيل حاصل، ما دامت القوانين لا تمنح الحقوق.
وما يقع، اليوم، بكلميم على سبيل المثال، هو أم المصائب على الإطلاق، حين تحيل محكمة ابتدائية مقالات استئنافية على محكمة مازالت في طور البناء، ما يتسبب في موجة تذمر لمتقاضين واحتجاجات محامين، ما يمكن اعتباره “جريمة إنكار العدالة”، من شأنها إلحاق الضرر بحقوق مئات المرتفقين.
فهل يعقل في دولة دخلت زمن الرقمنة أن تصدر فيها محكمة ابتدائية أحكاما، وتتحمل الأطراف المدعية عناء التبليغ إلى المستأنف عليهم، وبعد الاستفسار عن مآل الإحالة يفاجؤون بأن المقالات الاستئنافية أُرجعت إلى المصدر، بعلة أن محكمة الاستئناف مازالت ورش بناء؟
لقد تحول مخطط الوزير السابق لتحيين التنظيم القضائي إلى فوضى، بسبب تنازع اختصاص سلبي، أشعله الرؤساء للتخلص من آلاف الملفات. فعندما التمس المتضررون من هذه الورطة التنظيمية، إحالة ملفاتهم على محكمة الاستئناف السابقة، أي استئنافية أكادير، للبت فيها، لم تتردد في إرجاعها بسبب وجود محكمة مماثلة في كلميم، حسب التقسيم القضائي الجديد.
قد يكون ذلك خطأ بسيطا يمكن تداركه بتمديد الآجال، كما نفعل دائما، شريطة ألا تكون في الموضوع رائحة صراع خفي بين سلطتين من السلطات الثلاث الكبرى، أو أنه دخان من نار المطالبة بنزع اختصاص وزارة العدل في توفير الخدمات والتجهيزات الفنية والمالية والإدارية لجميع أجهزة القضاء لأداء رسالته، كما هو الحال في الأغلبية الساحقة من دول العالم، التي تكفل حسن سير عمل القضاء وسرعة الفصل في القضايا وتنفيذها وتحقيق العدالة.
وعوض البحث عن سبل تقوية صرح العدالة، تحاول بعض الأطروحات زرع بذور الشقاق وتوسيع هوة انعدام الثقة، ونسف مبادرات الإصلاح، التي تشدد على إرساء دعائم مراقبة داخلية للإدارة القضائية، يفترض فيها أن تقف عند الاختلالات إن وجدت لتقويمها، وتوحيد وتحديث العمل بالمحاكم على المستوى الإداري والمالي، حتى يظل مرفق العدل محصنا ومتلائما مع مبادئ الحكامة.
العدل أساس الملك أيها السادة…
فلا تعبثوا به…
رجاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق