افتتاحية

جار ومجرور

لا تختلف منظومة الصحة في المغرب عن العربة ذات الحصان… بعض الوزراء المتعاقبين اجتهدوا في إصلاح المجرور والاهتمام بشكله، ثم يكتشفون لحظة محاولتهم الانطلاق بها أن الجار هزيل، ولا يقوى على الحركة.
آخرون اعتنوا بجمال الحصان وبهائه، متجاهلين حال العربة المهترئة التي نخرت الطفيليات أخشابها، وأضعف الصدأ حديدها، و أن حركة بسيطة إلى الأمام تهددها بالانهيار .
وحتى مقولة إن القطاع مريض، أصبحت مستهلكة، فحجم مشاكله واختلاله يهين كرامة المغاربة، ويخدش صورة البلاد، حتى سئمنا من صور حوامل يلدن في الشارع أو مرضى يفترشون الأرض بمستشفى عمومي، أو شباب يصرخون في المستعجلات طلبا للعلاج.
لا علاقة لمعضلة الصحة عندنا بالغنى أو الفقر، فالفئتان متساويتان في المعاناة، وبعض المصحات تتلذذ في إهانة المرضى، ما يدفع بعض الميسورين إلى الهروب إلى الخارج طلبا لعلاج لا يهانون فيه، وفرارا من إداريين ينظرون إلى جيوبهم أكثر من عللهم.
تجمع المواثيق الدولية أن الأمر يتعلق بقطاع إنساني، وتحث الدول على حصول المواطنين على مستوى معين من الصحة والرعاية، فالصحة ليست ترفا جسديا أو نفسيا، بل هي حق يجب على الدول ضمان استفادة الجميع منه، وهي كذلك حق إنساني يستدعي توفير الخدمات والوصول إلى مرافق الرعاية الملائمة، دون تمريغ كرامة المريض في وحل الإهانة واللامبالاة.
في تركيا مثلا، استثمرت الدولة في القطاع الصحي، بإحداث مؤسسات كبرى يقصدها الملايين، ومنهم المغاربة، وتدر عليها مبالغ بالعملة الصعبة، ليس لجودتها، فقط، بل لأنها تحفظ كرامة المريض، فالمصحات تستقبلهم بالموسيقى للترويح عنهم، وتُكلف موظفيها بإنجاز الوثائق، حتى تجنب المريض وعائلته كل المشاكل الإدارية، ويستقبله طبيب مختص تفرض عليه المؤسسة الخضوع لحصة من الحلاقة يوميا، لضمان حسن الاستقبال والاهتمام بالمريض.
لا نحلم حتى تصبح المصحات والمستشفيات مثل تركيا (رغم أن ذلك ليس صعبا)، بل نسعى إلى تنبيه الوزارة والأطر بالتشبث بقسم أبقراط، فمن واجب الطبيب أن يحتفظ بحسن مظهره الخارجي، وأن يكون سلوكه باعثا على الثقة والاطمئنان في نفس المريض.
قال خالد آيت الطالب، وزير الصحة، في آخر تصريحاته بأن الخصاص في عدد الأطباء حدد في 32 ألفا و387 طبيبا و64.774 ممرضا وتقنيا في مجال الصحة، لكن، بعيدا عن لغة الأرقام، فإن الخصاص الحقيقي في ضمان حق المواطن في علاج، بعيد عن الجشع والرشوة والمحسوبية.
الاستثمار في الصحة يصنع أجيالا سليمة تؤمن بأن مستقبلها في وطن لا يهين مرضاه وأطباء حريصين على الضمير المهني والمثل العليا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض