منبر

لكحل: التراث الفقهي يكرس العداء للآخر

سعيد لكحل قال إن التنظيمات المتطرفة أعادت توظيف المفهوم لشرعنة الإرهاب

قال سعيد لكحل إن الأصل التاريخي لمفهوم دار السلام ودار الحرب توفره فتاوى الفقهاء وحكام الدولة الإسلامية، أما النصوص الدينية للإسلام فلا يرد فيها هذا المفهوم. وأضاف الباحث في قضايا الإسلام السياسي أن غاية تأويل النصوص الدينية المحرضة على القتال هو السيطرة على شعوب ودول بمقدراتها وثرواتها، وخلص صاحب كتاب “الحوار الموؤود والطوفان الموعود” إلى أن التراث الفقهي عائق أمام تصحيح المسلمين نظرتهم إلى الآخر.

< هل يمكن الحديث عن أصل تاريخي وعقدي لتقسيم العالم لدار السلام (الإسلام) ودار الحرب؟
< النصوص الدينية الثابتة من قرآن وسنة صحيحة تخلو من تقسيم العالم إلى دار السلام ودار الحرب، بينما الأصل التاريخي توفره فتاوى الفقهاء وممارسة حكام الدولة الإسلامية من خلفاء راشدين وسلاطين . جميع هؤلاء استندوا إلى نصوص دينية تحث المسلمين على محاربة الكفار أينما وجدوا دون تقسيم جغرافي لدار السلام ودار الحرب. وغاية تأويل النصوص الدينية المحرضة على القتال ليس الدفاع عن الإسلام أو حماية بيضته، بقدر ما كانت السيطرة على شعوب ودول بمقدراتها وثرواتها. وهذا الذي يفسر استهداف ما يسمى بالفتوحات الإسلامية للمناطق الجغرافية الغنية بخيراتها ومواردها. إذن الدافع إلى توسع الدولة الإسلامية في المناطق الغنية والإستراتيجية هو السيطرة على الثروات وطرق التجارة العالمية بين آسيا وأوربا. مفهوم دار السلام ودار الحرب أفرزته ظروف تاريخية لم تعد قائمة، لكن المسلمين ظلوا متشبثين بها، وخاصة في بعدها الديني: دار الإسلام ودار الكفر. وقد لعب الاستعمار الأوربي للدول الإسلامية دورا أساسيا في إحياء ونشر وتكريس هذا المفهوم لدى الشعوب الإسلامية، كما وظفته المقاومة الوطنية لاستنهاض الشعوب وتقوية عزائمها على محاربة الاستعمار ومقاومة المستعمرين. لكن بعد حصول الدول الإسلامية /العربية على استقلالها لم يندثر ذلك المفهوم، بل أعادت تنظيمات الإسلام السياسي توظيفه لتبرير وجودها وشرعنة عدائها واعتدائها على الشعوب الغربية.

< رغم تعارض هذا المفهوم مع المواثيق الدولية والمفهوم الكوني للسلم إلا أن الكثير من المسلمين ما زالوا يعتقدون فيها…
< كما قلت لك لعبت عوامل تاريخية ، وخاصة الاستعمار والمقاومة دورا مهما في إحياء هذه المفاهيم وتداولها . كما ساهمت المؤسسات الدينية الرسمية في تغذية هذا المفهوم عبر التلقين والتدريس والمواعظ الدينية، أي أن الخطاب الديني الذي أفرزته ظروف الحروب الصليبية ثم الاستعمار ظل هو نفسه المتداول حتى الآن ولم يعرف مراجعة عميقة على مستوى المفاهيم، كما لم يلائم تصوره للعالم وفهمه للنصوص الدينية مع المواثيق والمعاهدات الدولية التي تؤسس وتنظم العلاقات السياسية بين الدول . لم يدرك الخطاب الديني الرسمي أن العلاقة بين الدول تحكمها قوانين أممية ومعاهدات دولية. وتجدر الإشارة إلى أن التنظيمات المتطرفة أعادت توظيف مفهومي دار السلام ودار الحرب ، ودار الإسلام ودار الكفر لتحريض عناصرها على تنفيذ أعمالها الإرهابية في كل دول العالم بما فيها الدول الإسلامية التي باتت في عقيدة التكفيريين دار كفر، وما دامت دار كفر لكونها لا تقيم شرع الله فإن قتال حكامها وشعوبها أمر واجب. هكذا تصير الدول الإسلامية ضحية خطابها الديني الذي لم تبذل أدنى جهد لتجديده وتجاوز خطاب الحروب الصليبية إلى خطاب متشبع بقيم حقوق الإنسان ويحترم المعاهدات وميثاق الأمم المتحدة، باعتبار كل الدول هي أعضاء في هذه الهيأة الأممية.

< هناك من يرى أن القتال دفاعي في الإسلام وليس أصلا فيه، ما تعليقك؟
< لن يعدم فقهاء المسلمين المبررات لشرعنة ما سموه الفتح الإسلامي وما مارسوه من سبي واغتصاب وسلب ونهب لخيرات الشعوب التي شملها "الفتح". هكذا ميزوا بين جهاد الدفع وجهاد الطلب. وردا على منطق هؤلاء يمكن أن نسألهم :هل كانت دولة الأمازيغ في شمال إفريقيا تشكل تهديدا أو اعتدت على دولة المسلمين الناشئة حتى يمتد "الفتح" إلى مجالها الجغرافي؟ وهل لما حارب المسلمون بعضهم البعض كانوا يمارسون جهاد طلب أم جهاد دفاع؟

< هل يمكن التأسيس لنظرة إسلامية للآخر خارج مفاهيم "السبي" و"الغنيمة" التي تتأطر من خلالها هذه الرؤية؟
< إن التراث الفقهي يشكل عائقا حقيقيا أمام تصحيح نظرة المسلمين إلى غيرهم. فهذا التراث يجعل غير المسلمين أعداء دائمين لا يمكن الاطمئنان إليهم، بل يجب الإعداد لمحاربتهم. لهذا يعتبر الفقه الإسلامي أن من واجب المسلمين نشر الإسلام في العالم كله والقضاء على الكفر، وأي تقارب بين الشعوب هو "موالاة" للكفار. من هنا أنتج الفقه الإسلامي مفهوم الولاء والبراء حيث قصر الولاء على المسلمين فقط وأوجب البراء من الكفار، أي غير المسلمين. وسيستغل المذهب الوهابي ومعه التيارات المتطرفة مفهوم الولاء والبراء ليجعله عقيدة ثابتة ملزمة لجميع المسلمين، وعلى أساسها يتم تكفير الأنظمة والشعوب التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الدول غير الإسلامية. وأكيد أن التفكير من داخل هذه المنظومة الفقهية يجعل من المستحيل تغيير النظرة إلى الآخر بنظرة إيجابية تقوم على الاحترام والتعاون . لهذا وجب تجديد الخطاب الديني وعصرنته، بما يتوافق مع قيم ومبادئ حقوق الإنسان ويقطع مع مفاهيم الصراع والجهاد والقتال والعداء. فالعالم تحكمه قوانين ومواثيق دولية كما توجد هيآت أممية تنظم العلاقات الدولية، وتبت في الصراعات أو الخلافات بين الدول.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق