خاص

سوق الجملة بالبيضاء … عقدة الوكلاء

ارتفاع في المداخيل وتحرير للملك العام وجدل حول الباركينغات والمربعات والمتأخرات

يحتكر سوق الجملة للخضر والفواكه بالبيضاء، حوالي 50 بالمائة من السلع الرائجة بالمملكة، ويعد نقطة محورية يلتقي فيها العرض بالطلب، ويشهد رواجا تجاريا كبيرا، بالنظر إلى أهمية السلع المعروضة داخله.
وبعدما كان “مارشي كريو”، يتخبط في جملة من المشاكل بسبب عدم وجود شركة متخصصة في تدبير شؤونه، وضبط حاجيات التجار والمرتفقين، أنشأ مجلس المدينة شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للخدمات”، المكلفة في الوقت الحالي بتدبير وتأهيل السوق منذ 2015، والتي أنهت جانبا من الفوضى التي كان يتخبط فيها هذا المرفق المهم، إلا أنه ما زال يعاني جملة من المشاكل، لعل أبرزها “عقدة الوكلاء”، الذين يمارسون نشاطهم بشكل “غير قانوني”، ومدينون للدولة بمتأخرات تقدر بملايين السنتيمات، إضافة إلى صعوبات في تحرير الملك العمومي.
إنجاز: عصام الناصيري– تصوير: ( أحمد جرفي)
أنشئ سوق الجملة بالبيضاء، منذ 1986، ويتألف من 20 مربعا، يسيرها الوكلاء، وهم فئة استفادوا من “مأذونيات” الاستغلال، كما يضم ما يقارب 250 متجرا، و 60 مقهى، إضافة إلى مرافق أخرى، من قبيل المراحيض، التي يصل عددها 130 وحدة، ومساجد وغيرها.
وحسب إحصائيات لوزارة الصناعة والتجارة، فإن السوق يستقطب حوالي 50 بالمائة من السلع التي تروج بالمغرب، ويمتد على مساحة 30 هكتارا، ويتألف من القاعة المغطاة المتخصصة بالبيع على الأرض، وسوق “أكادير” للبيع فوق الشاحنة، وقاعتين مجهزتين لبيع مادة “الربيع”.

أزمة وكلاء

يحتل الوكلاء مكانة مهمة داخل سوق الجملة، باعتبارهم حلقة أساسية في عملية البيع والشراء، إذ يشرفون على المربعات التي توجد في مرفقين أساسيين داخل السوق، وهما القاعة المغطاة و”سوق أكادير”، إذ يتوجب على كل تاجر يرغب في عرض سلعته المرور عبر الوكيل، الذي يستخلص 7 بالمائة من قيمة السلعة المعروضة، داخل المربع الذي يشرف عليه، ويستفيد من 1 في المائة، مقابل أداء نسبة 6 في المائة إلى مجلس المدينة، غير أن هذه العملية لا تتم في غالب الأحيان، وهو ما أدى إلى تراكم متأخرات على الوكلاء لصالح الدولة تقدر بمئات ملايين السنتيمات، وجرت بعضهم أمام القضاء.
ويقول عبد الرزاق الشابي، الكاتب العام لجمعية تجار الخضر والفواكه بسوق الجملة بالبيضاء، “إن وضعية السوق مختلفة اليوم عن الفترة السابقة، خاصة في ظل حملات المراقبة، والعمل الجاد الذي تقوم به الإدارة، إذ لاحظنا تقدما كبيرا في تحرير الملك العام، ودوريات أمنية تجوب مرافق السوق، كما لمسنا انسيابية في عملية البيع والشراء، وتزويد السوق بكافة السلع، ووجدنا مخاطبا يصغي إلى مشاكلنا، بعدما كنا مجبرين على مخاطبة مجلس المدينة”.
وأبرز الشابي، أن هناك بعض المشاكل العالقة التي لا تهم الإدارة، بقدر ما تهم المسؤولين بمجلس المدينة، وعلى رأسها مشكل الوكلاء، “الذين لا يملكون الصفة، لأن القانون الذي ينظم هذه المهنة، يقول إن أي وكيل له الحق في ثلاث سنوات فقط، وله حق الاستفادة من استغلال المربعات مرتين على الأكثر، في حين أن المستفيدين يستغلون هذه المرافق منذ الثمانينات”، مضيفا أن هناك “من يشتغل خارج القانون مدة 20 عاما أو 15، وهذا لا يعني أننا نطالب بإلغاء فئة من السوق، لكن يجب أن يتوفروا على صفة وكيل لمزاولة عملهم، وأن يمتثلوا لدفاتر التحملات، من خلال الحضور أثناء البيع، والمساعدة في عملية التنظيم ومراقبة السلع”.
ويؤكد المتحدث ذاته أنه في ظل غياب فئة الوكلاء، فإن السوق يعيش نوعا من الفوضى، و”كل يبيع بالشكل الذي يحلو له، وهناك عشوائية كبيرة في المربعات، من قبيل وجود براريك وصناديق فارغة داخلها”.وأوضح الشابي أن دور الوكلاء أصبح عبئا على الإدارة، وأثار نوعا من الاكتظاظ داخل السوق، خاصة أن المربعات تشغل حيزا كبيرا، إذ ينشطون داخل القاعة المغطاة وبـ”سوق أكادير”.

إنجازات

أشار جعفر الصبان، مدير السوق، إلى أن السوق استفاد من برنامج للتزفيت، إذ هناك 185 ألف متر مربع، يحتاج إليها السوق، أنجز منها حوالي 50 ألف مربع، ويرتقب أن تستأنف الأشغال في المساحة المتبقية، لأن وضعية بعض الأزقة متهالكة جدا.
وأضاف المدير أنه “عملنا كذلك على تحسن خدمات المرتفقين، وأبرزها تحسين حركة السير والجولان وتوفير الإنارة والأمن والنظافة، إذ اشتغلنا على التشوير، ونظمنا موقف النقالة والشاحنات، وحررنا الأزقة من الصناديق الفارغة، ومنعنا بعض مواضيع البيع، وفتحنا بعض الأبواب”. وأما بالنسبة إلى النظافة، يؤكد الصبان، أنه يمكن فصل السوق عن محيطه، إذ يعاني بسبب الواقع نفسه الذي تتخبط فيه المدينة، خاصة أنه يستقبل حوالي 800 شاحنة يوميا، وبين 4 إلى 5 آلاف طن من الخضر والفواكه، التي تخلف نفايات، مبرزا أن شركة النظافة الجديدة تقوم بمجهودات، وتخضع لمراقبة الإدارة، غير أنها”لم تصل بعد إلى المستوى الذي نطمح إليه لأن عملها مؤطر بدفتر تحملات، وتحتاج إلى آليات اشتغال، وتشتغل في الوقت الحالي يدويا، وفي الأشهر المقبلة ستجلب بعض الآليات ونحن في انتظارها”.

احتلال الملك العمومي

كان سوق الجملة بالبيضاء، يتخبط في فوضى عارمة، نتيجة الصناديق الفارغة، التي كان يخلفها التجار، والتي تخنق السوق، وتسبب إشكالية حقيقية بالنسبة إلى المرتفقين، غير أن الإدارة الجديدة قامت بحل هذا الإشكال من خلال إجبار التجار على الالتزام بجمعها، وتخصيص مكان لوضعها، لكن رغم ذلك فإن السوق ما زال يعاني بعض مظاهر الاحتلال، خاصة بالنسبة إلى مرابد السيارات، التي تتم فيها عملية بيع بعض الفواكه، أمام المتاجر، إذ تساهم بدورها في خنق جانب من السوق، بالإضافة إلى أرباب الدراجات ثلاثية العجلات، التي لا تلتزم بمكان وقوفها وتساهم في مظاهر الاحتلال.
ويعلق حسن فريد الإدريسي، رئيس الجمعية المغربية للتجارة والخدمات، بسوق الجملة للخضر والفواكه، على مظاهر الاحتلال قائلا، “إن أزيد من 80 شاحنة تستعمر مرابد السيارات، وحولتها إلى سوق للبيع من فوق الشاحنة، بينما القانون الداخلي للسوق يمنع هذا الأمر”، ويتهم الإدريسي أرباب المتاجر، الذين يسمحون لأصحاب الشاحنات بالركن أمام متاجرهم، باستخلاص مبالغ مالية مهمة عن كل تاجر، تصل إلى 700 درهم، مقابل السماح لهم بترويج سلعهم، في وقت يفترض فيه ألا يتم البيع في تلك المنطقة، مبرزا أن المتاجر تملك بابين، الأول مخصص للبيع، والثاني لإدخال السلع إلى المخزن، بينما يسمحون للتجار بالركن أمامها.
وعبر عدد من التجار عن عدم رغبتهم في الدخول إلى المربعات، بحجة أن الوكلاء لا يوفرون لهم الخدمات اللازمة، ويؤدون نسبة 7 في المائة من قيمة السلع دون الاستفادة من خدمات موازية، ويفضلون الركن خارجا، لأن عملية البيع تتم في هذه المنطقة بسلاسة وسرعة أكبر، مقارنة بالمربعات.
ويضيف الإدريسي، أن التجار لا يريدون الدخول إلى المربعات، قصد عدم أداء نسبة 7 بالمائة، ما يؤدي إلى هدر أموال الدولة، ويفضلون منح أصحاب المتاجر 700 درهم، تفاديا لأداء مبالغ أكبر في المربعات، مشددا على أن مسألة السرعة في البيع، لا يستفيد منها المواطنون والمرتفقون، بقدر ما يستفيد منها السماسرة والوسطاء، الذين يقتنون السلع من التجار ويعيدون بيعها للمواطن، وهو ما قد يرفع من ثمن السلع المعروضة في السوق.
ويرد مدير السوق على الاتهامات، بالقول إنه لا يعلم إذا كان هناك تعامل بين أرباب المتاجر والتجار بالجملة، مبرزا أنه لا يمكن إجبار التجار على الدخول إلى المربعات، خاصة أنهم يشتكون من غياب الخدمات التي يقدمها الوكلاء، مشددا على أن مهمته تكمن في السهر على السير العادي للرواج التجاري، والدليل على ذلك أن السوق عرف ارتفاعا في المداخيل منذ مجيء الإدارة الجديدة، إذ يرتقب أن تنتقل من 115 مليون درهم في 2014، إلى 150 مليونا هذه السنة.
ويضيف المتحدث ذاته أن القرار الصادر عن وزير الداخلية، المتعلق بوضع قانون أساسي لوكلاء أسواق بيع الخضر والفواكه، لا يجبر التجار على دخول المربعات، إذ يؤكد إنه يحق للتجار الذين يرغبون في عرض سلعهم في منطقة لا تدخل في نطاق الوكيل، أداء واجب الدخول إلى السوق فقط.

متأخرات و”اقتصاد ريع”

تعتبر جمعية الخضر والفواكه أن المعضلة الكبرى في ملف الوكلاء، تكمن في ملف المتأخرات، “إذ هناك من تتجاوز ديونه 700 مليون سنتيم، ما أصبح يطرح ضرورة معالجة المشكل”. ويضيف الشابي أن الجمعية”تطالب بالقطع مع اقتصاد الريع، الذي يمثله الوكلاء، لأنه سيرفع المداخيل، وسيمكن الإدارة من التعامل مع التجار مباشرة، دون وساطة الوكلاء، لأنهم يستفيدون من نسبة معينة دون تقديم خدمات، كما أنهم يستخلصون أموال الدولة من التجار ولا يسلمونها إليها، وهذا إشكال كبير”، مبرزا أن مجموعة من الوكلاء انتقلوا إلى دار البقاء، وما زال أبناؤهم وورثتهم يستفيدون من هذا الريع، بينما هذه المأدونيات لا تورث.

تأهيل المرفق

صادق مجلس المدينة في 2015 على تفويت تدبير وتأهيل سوق الجملة إلى شركة “الدار البيضاء للخدمات”، التي يرأس مجلسها الإداري والي المدينة، وتتألف تمثيليتها من جماعة البيضاء ومجلس الجهة ومجلس العمالة. ويقول جعفر الصبان، مدير السوق، إنه “بعد تسلم السوق قمنا بتشخيص للحاجيات، وهدفنا خدمة التجار والمواطن البيضاوي، لأن المرفق يمثل نقطة يلتقي فيها العرض بالطلب، وتزود البيضاء ومدنا أخرى بحاجياتها من الخضر والفواكه”.
ويضيف الصبان، أن”مادة “الربيع”كانت تباع على الرصيف، في وضعية مزرية، إذ قمنا ببناء قاعتين مزودتين بالإنارة والماء لبيع هذه المادة في ظروف مناسبة، كما أصلحنا القاعة المغطاة التي كانت تعاني بسبب التسربات، ورممنا المتاجر، وأهلنا الأرصفة المتهالكة، بالإضافة إلى إصلاح الإنارة، وتثبيت ما يقارب 64 كاميرا، تستعمل في التنظيم والمراقبة، وهناك مركز لمراقبتها واستقبال المكالمات”،مؤكدا أن هذه الإنجازات متعلقة بالبنية التحتية، وتم تمويلها من قبل مجلس المدينة بما يقارب 30 مليون درهم .
وأما الشق الثاني من الإصلاحات، حسب الصبان، فيتعلق بإصلاح الإنارة وقنوات الصرف الصحي وكذا الماء الصالح للشرب، موضحا أن مجلس المدينة وقع على اتفاقية مع شركة “ليدك”، في دجنبر 2015، لإصلاح البنية التحتية للإنارة وتأهيلها، إذ مكنت من دخول السوق في نطاق صيانة الشركة، مثله مثل الشوارع، فإذا كان هناك أي عطب فإنها تتدخل لإصلاحه، وتقوم بالصيانة كل أسبوع،مشددا على أن الاتفاقية مكنت أيضا من ترشيد استهلاك الماء، بحوالي 75 بالمائة من الماء الصالح للشرب، الذي كان يضيع نتيجة للتسربات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق