ربورتاج

وجـدة … أعطاب التنمية

مدينة تحضن مقبرة تنمية دون نتائج على النمو وتوفير الثروة وامتصاص شبح البطالة

تشبه عمالة أنجاد وجدة، قطب جهة الشرق، عداء في المسافات المتوسطة، انطلق بسرعة جيدة في بداية الأمتار الأولى، قبل أن يصاب بتمزق عضلي ويتوقف في منتصف الطريق.
فلاشيء يوحي أن المنطقة التي حظيت بالتفاتة ملكية منذ 18 مارس 2003 وشهدت زيارات رسمية مكثفة وعبأت لها الدولة إمكانيات مالية ضخمة لوضع أساسات مشاريع مهيكلة كبرى، تواصل السير في الطريق نفسه، بعد أن تحولت إلى “مقبرة تنمية”، تعلوها “شواهد” بنيات تحتية وطرق وهياكل عمرانية وبرامج إعادة هيكلة فضاءات تجارية ومناطق صناعية من الجيل الثالث وقطب تكنولوجي، في مقابل نسبة عالية من البطالة وانعدام فرص الشغل، هي الأكبر على المستوى الوطني.
هذه الخلاصة، يكاد يتقاسمها أغلب “الوجادة”، مؤكدين أن الاستثمار في الإسمنت والبنيات التحتية لا يثمر بالضرورة رخاء وغنى ومناصب شغل “تستر” أبناء منطقة عانت ويلات التهميش والحصار منذ إغلاق الحدود البرية بين المغرب والجزائر في 1994.

يوسف الساكت (موفد الصباح إلى وجدة)

“أش خاصك ألعريان”
في وقت كان الشباب العاطل يجرب أشكال التحسيس بقضيته ويحث المسؤولين على إيجاد فرص شغل، طلعت عليهم الجماعة بديناصور.
نعم ديناصور استفاقوا على هيكله الحديدي البشع بشارع علال الفاسي أمام المتحف الأركيلوجي، ما أثار سخرية كبيرة بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر نشطاء أن المدينة لا تحتاج إلى ديناصورات بقدر ما تحتاج إلى مشاريع اقتصادية تساهم في امتصاص شبح البطالة وتوفير مناصب الشغل للعاطلين عن العمل.
مسؤولو الجماعة لم يسكتوا، طبعا، بل ردوا في بلاغ نشر في صفحتها في «فيسبوك»، قالوا فيه، إن المجسم نصب في إطار دعم المجلس الحضري الدائم للفن والفنانين والثقافة عموما وانفتاحها وتشجيعها لكل المبادرات الهادفة.
وكشفوا أن الفكرة من إنجاز جمعية «شبكة الفن أ 48» باعتبارها حاملة المشروع، التي تهدف من خلاله، إلى الإشارة إلى وجود أقدم ديناصور تم اكتشافه بالمغرب بالمنطقة الشرقية، وتم اختيار المتحف الأركيلوجي لعلاقة التحفة الفنية بالآثار والأركيولوجيا.وأشاروا إلى أن جماعة وجدة لم تساهم ماديا في هذا المجسم، لكنها ستظل شريكا فاعلا مع كل الجمعيات الهادفة حاملة المشاريع الفنية والثقافية التي تملك حس المبادرة والإبداع والرمزية للهوية التاريخية للمدينة والمنطقة.

“ديناصور” البطالة
يلتهم ديناصور البطالة أغلب الشباب حاملي الشهادات وخريجي الجامعات بمختلف فئاتهم، لعجز المشاريع المفتوحة في المدينة أو العمالة عن الوفاء بتوفير مناصب الشغل، وفق البرنامج الاستثماري المعلن عنه من قبل المسؤولين.
في نظر عدد من العاطلين عن العمل، الذين دأبوا على تنظيم وقفات احتجاجية في مناسبات خاصة للتحسيس (آخرها تزامنت مع مباراة المنتخب الوطني مع نظيره الجزائري)، أن هناك عدة مشاريع كبرى ومهيكلة انطلقت خلال السنوات الأخيرة باستثمارات هائلة، دون أن تعطي أكلها إلى حد الآن، مؤكدين أن القطب التكنولوجي لوجدة أو «تيكنوبول وجدة» الممتد على مساحة 496 هكتارا، مازال في حالة جمود رغم الإستثمارات التي استقطبها في إطار قطب التنمية الصناعية بالمنطقة الشرقية «شرق المتوسط».
وحسبهم، فإن المنطقة ظلت على مدى أكثر من عقد تعطي لسكانها انطباعا أنها تستعد لاستحقاق ما، دون أن يعرفوا ما هو بالضبط، موضحين أن الأمر يتعلق بإحساس مشروع، «ببساطة لأنهم مازالوا ينتظرون أن ينتج هذا الكم الكبير من المشاريع مناصب شغل حقيقية تنتشل أبناء وشباب المدينة من الضياع، أو الارتماء في أنشطة التهريب، أو الهجرة، وبعضهم لم يجد من خيار غير الاتجار في المخدرات والممنوعات».
عبد الله منبت، الطالب الباحث في العلوم الاقتصادية، قال إن الوضع شبه معقد، مستندا إلى أرقام صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط التي تؤكد ضعف معدل النشاط بالمدينة والعمالة، موضحا أن معدل النشاط بالعمالة بلغ 42.8 في المائة مقابل 45.6 في جهة الشرق و46.4 على المستوى الوطني.
أما بالنسبة إلى معدل البطالة بالعمالة والمدينة فهو مرتفع ويتراوح بين 19 في المائة و20.5، فهو مرتفع نسبيا، مقارنة مع المعدل على المستوى الجهوي (حوالي 15.7 في المائة)، لكنه مرتفع جدا إذا ما قورن بالمعدل على المستوى الوطني (9.4 في المائة)، أي بحوالي 11 نقطة.

انفجار ديمغرافي
الظاهر أن الوجديين لا يواجهون فقط ديناصورات البطالة في ظل توقف مخطط التنمية في منتصف الطريق، بل يواجهون أشكالا أخرى من الإشكاليات أكثر شراسة، قد تجهض كل الأحلام في بناء صرح نموذج تنموي منافس في الجهة الشرقية، يضع حدا لاقتصاد التهريب.
وحسب إسقاطات السكان التي أعدها مركز الدراسات والأبحاث الديموغرافية التابع للمندوبية السامية للتخطيط، من المتوقع أن يصل عدد سكان عمالة وجدة أنجاد لـ 756 ألفا و616 نسمة في أفق 2031.
وبعبارة أخرى، فإن سكان العمالة سيتزايدون بحوالي 13 ألفا و111 نسمة في المتوسط سنويا خلال الفترة 2014-2031 . وتؤكد هذه التوقعات أيضا ا أن السكان الحضريين للعمالة سيتزايدون بحوالي 14 ألف و111 نسمة في المتوسط سنويا، ليصل عددهم إلى 728 ألفا و584 نسمة في 2031.
ويطرح هذا النمو الديمغرافي المطرد تحديات كبيرة أمام مخططي المنطقة والمدينة في اتجاه رفع وتيرة العمل لمواجهة الحاجيات والانتظارات الجديدة، سواء في البنيات التحتية والطرق، أو في الخدمات الصحية والتعليم وقطاعات الرياضة والترفيه، وأساسا التفكير في مشاريع مدرة للنمو ومناصب الشغل لامتصاص شبح البطالة.

ناقوس الخطر
بدأ عدد من الأحزاب والفعاليات المدينة والمنتخبين، منذ ثلاث سنوات تقريبا، في دق ناقوس الخطر، وحث الحكومة على التحرك لوضع برنامج إنقاذ من ثلاثة مستويات، أولا، وضع مخطط لمواجهة مواسم الجفاف المحتملة وتأثيراتها السلبية على الفلاحين والكسابة والمهنيين المرتبطين بالأنشطة الفلاحية، ثانيا، تقييم المشاريع المهيكلة الكبرى ومخططات التنمية التي لم تعط ثمارها إلى حد الآن، ثالثا، وضع بديل عاجل لتراجع اقتصاد التهريب المعيشي، بعد قرار الدولتين الجارتين إغلاق جميع المنافذ والمعابر وتسييجها بالأسلاك والخنادق.
من جهتها، عبرت مكونات فدرالية اليسار الديمقراطي بوجدة، عن قلقها إزاء «تفاقم مظاهر الركود الاقتصادي بالجهة الشرقية عامة ووجدة بشكل خاص وتردي الأوضاع الاجتماعية على صعيد التعليم، والصحة والتشغيل، نتيجة فشل البرامج التنموية وسوء تدبير الشأن العام وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة واستمرار إغلاق الحدود المغربية الجزائرية».
ونددت أحزاب اليسار الثلاثة المكونة للفدرالية بـ»درجات التهميش والإقصاء التي تعيشها وجدة، التي تتجلى في الواقع المزري لشباب المنطقة الذي تقهره البطالة والتهميش فيختار الارتماء في أحضان المخدرات والجريمة وشبكات الهجرة السرية، كما حصل أخيرا لضحايا قوارب الموت بتاوريرت وجرادة».

في الانتظار
في انتظار هذا الذي يأتي أو لا يأتي، كانت شريحة كبيرة من أبناء المدينة، خصوصا التجار، تصارع الأزمة بالتداول في بورصة التهريب التي ظلت أسهمها مرتفعة خلال العشرين سنة التي تلت الإغلاق الرسمي للحدود بين البلدين، قبل أن يشملها الإغلاق الكلي، خلال الأشهر الأخيرة، بسبب ارتفاع منسوب الهاجس الأمني ولجوء الدولتين إلى تعزيز وجودهما العسكري واللوجيستيكي على الحدود ببناء أشرطة من السياجات الحديدية والخنادق الترابية من الجهتين.
قبل الإغلاق شبه الكلي، كانت بعض النقاط الحدودية تتحول إلى أسواق كبيرة للتبادل التجاري بين مواطني البلدين. أسواق، تعقد، يوميا، في ساعات متأخرة من الليل على ضوء المصابيح اليدوية وكشافات السيارات والشاحنات وضوء القمر في ليالي الصيف. من هنا، تشحن أطنان من الخضر والفواكه القادمة من بركان، خصوصا «اللتشين البركاني» الذي يعشقه الجزائريون، و»تصدر» أيضا الملابس التقليدية (جلابيب، قمصان..) وبعض المواد الأولية المستعملة في الصناعات التقليدية، وتوابل مغربية، ثم عدد كبير من السلع الإسبانية المهربة القادمة من مليلية التي يكثر عليها الطلب بالمدن الجزائرية الحدودية.
في المقابل، يهرب الجزائريون أي شيء يعثرون عليه، إذ يمكنك أن تتخيل كل السلع من مختلف الأصناف والاستعمالات، من المواد الغذائية الأساسية المدعمة من الحكومة الجزائرية التي «تطير» من ميناء وهران بمجرد وصولها على متن بواخر، وتشحن على متن ناقلات و»تمر» من نقاط المراقبة والجمارك والدرك والبوليس الجزائري، وتصل آمنة إلى ستة حدود، حيث تنشط مجموعات التهريب المعيشي بكل من ليبيا ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر وتونس.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق