افتتاحية

مقاربة شمولية

تواصل وحدات الأمن الوطني، بمختلف تشكيلاتها وفرقها، عمليات “تجفيف” منابع الجريمة، العادية والمنظمة، في عدد من المدن، وفق مخطط مندمج وتدريجي، آخر فصوله البيضاء حيث سقط الآلاف في ظرف وجيز، أكثرهم ضبطوا متلبسين بأفعال إجرامية، وآخرون كانوا يشكلون موضوع مذكرات بحث على الصعيد الوطني، للاشتباه في تورطهم في جنايات وجنح مختلفة.
سيكون من الحيف، فعلا، عدم التنويه بمجهودات المديرية العامة للأمن الوطني، التي تجتهد، بالإمكانيات وهوامش التحرك التي تتوفر عليها، في إشاعة الإحساس بالأمن والثقة لدى المواطنين، و”عودة الروح” إلى الأجساد، بعد مسلسل من الرعب والخوف عاشته أغلب المدن والمناطق الهامشية في الفترات الأخيرة، زادته هلعا “فوضى” الأخبار والفيديوهات بمواقع التواصل الاجتماعي.
لكن هذا العمل الميداني المباشر، الذي يتحمل مخاطره رجال الأمن وعناصر مكافحة الجريمة وتنظيم السير والجولان والتقنيون، لن يعطي ثماره مع استمرار “التراخي” المزمن، الذي تعرفه باقي مؤسسات الدولة، وفي ظل اللامبالاة وموقف المتفرج اللذين ينهجهما أفراد المجتمع، الذين يكتفون بالشكوى والنحيب والبكاء، دون أي فعل للمساهمة في التقليل من آثار الجريمة والوقاية منها حتى.
فلن نضيف أفكارا جديدة إذا قلنا إن المقاربة الأمنية هي مقاربة شمولية ومندمجة، ولا تتوقف على مصالح الأمن فقط، بل تخترق جميع القطاعات والمؤسسات الرسمية، وغير الرسمية، وفضاءات التنشئة الاجتماعية، لكن “التكرار” والإلحاح قد يفيدان في إيقاظ العقول النائمة واستفزاز الوعي الجماعي، وطرد الاعتقاد الراسخ بأن محاربة الجريمة تتأتى فقط من الضربات الاستباقية، أو من تعبئة الدعم البشري واللوجستيكي ورفع عدد المتدخلين في العمليات النوعية.
فعلى مدى سنوات، عُقدت عشرات المناظرات واللقاءات والاجتماعات، وصدرت مئات التقارير والتوصيات، حول محورية المقاربة الشمولية والمندمجة في الوقاية من الجريمة وتفكيك أعشاش العمل الإجرامي في مهدها، دون أن يشعر المغاربة أن هناك “إرادة” فعلية لتنزيل كل ذلك على أرض الواقع، بدليل تزايد أرقام الجريمة سنة بعد أخرى، وانتقال المجرمين إلى تطوير أساليب نوعية تتغير حسب تغير الخطط الأمنية.
إن وزارة التربية الوطنية، الحاملة لمشاريع التربية والتكوين والتعليم، لها دور حيوي في ترسيخ هذه المقاربة، من منطلق وظائفها المتمثلة في التربية والتكوين والتعليم، بالقدر نفسه الذي ينبغي أن تنخرط جميع المؤسسات السيوسيو اقتصادية للتخفيف من العلاقة المتوترة بين الجريمة والمجتمع، وكذلك الأسرة والشارع وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية والمجتمع المدني، التي لها دور في التربية الأساسية، المبنية على الأخلاق ورفع الوعي والتربية على المواطنة.
فبدون هذه الرؤية الشمولية، التي يتحمل فيها الجميع مسؤوليته على قدم المساواة، سنظل نستحم في نهر الجريمة نفسه عدة مرات، حتى يفيض علينا يوما.
ففي جميع المجتمعات، التي قطعت دابر الجريمة، لم تفعل ذلك ببنادق ومسدسات الأمن وحدها، بل بسلاح مجتمع سليم ومعافى من جميع العاهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض