حوادث

السائح: البعد الأخلاقي قطب رحى المحاكمة الجنائية

الجوهري: ضباط الشرطة القضائية لا يميزون بين البحث في حالة التلبس والتحري في الأحوال العادية

أجرت الحوار: كريمة مصلي

قالت فاطمة الزهراء السائح الجوهري، دكتورة في الحقوق إن العديد من ضباط الشرطة القضائية، لا يميزون بين البحث في حالة التلبس والتحري في الأحوال العادية، ومصدر هذا اللبس هو ضعف في التكوين والتأطير. وتحدثت في حوار أجرت مع “الصباح” عن مستوى الضمانات التي من شأنها أن تخفف من أزمة الأمن القضائي الزجري في مختلف مراحله، بدءا بمرحلة المثول أمام الضابطة القضائية، ومرورا بالوجود أمام سلطة الاتهام والمتابعة، وانتهاء بالوقوف أمام قضاء الموضوع .
وفي مايلي نص الحوار:

> ما المقصود بالمحاكمة الجنائية العادلة؟ وهل هناك فرق بين العدل والإنصاف؟
> لم يعرف المشرع المغربي ولا الفرنسي المقصود بالمحاكمة الجنائية العادلة، وقد أحسن صنعا على اعتبار أن التعريف هو مسألة متروك أمرها للفقه والقضاء.
ويعرف بعض الفقه المغربي المحاكمة الجنائية العادلة بأنها المحاكمة التي تراعى فيها سلامة الإجراءات المسطرية التي تباشر عند محاكمة كل شخص ومطابقتها للقانون، بالإضافة إلى تكييف القانون وجعله منسجما مع المبادئ المتفق عليها والتي تصون حقوق الإنسان. وعندما نقول المحاكمة، فإن التفكير يجب ألا يتوقف عندما يجري داخل قاعة الحكم، بل ينصرف إلى كل إجراء له علاقة بالحكم وإلى كل نشاط أنجز تحضيرا لهذا الحكم، وبذلك يكون مضمون المحاكمة الجنائية العادلة شاملا مرحلة البحث والإعداد (الضابطة القضائية –سلطة الاتهام والمتابعة)، أمام قضاء الموضوع، وطرق تنفيذ الحكم.
نعم هناك فرق بين العدل والإنصاف، فالقاضي قد يكون عادلا دون أن يكون منصفا، بمعنى أن الإنصاف هو أعلى درجة من العدل، وهو ما عبر عنه الفيلسوف أرسطو بقوله:”الإنصاف هو عدالة مثلى تصوب عدم عدالة القانون إذا أفضى عند تطبيقه إلى نتائج جائرة “.

> يجمع جل الحقوقيين بأن أخطر مرحلة من مراحل المحاكمة الجنائية هي مرحلة المثول أمام الضابطة القضائية، ما رأيكم؟
> بالفعل هي أهم مرحلة و أخطرها على الإطلاق سيما في الجنح، لأن محاضر الضابطة القضائية في المخالفات والجنح وكما هو معلوم يوثق بمضمنها، إلى أن يطعن فيها بالزور، وهي في الجنايات مجرد بيانات ليس إلا.
وضابط الشرطة القضائية سيما في حالة التلبس يتمتع بصلاحيات استثنائية خطيرة، فهو يشعر ممثل النيابة العامة بالوضع تحت الحراسة النظرية-بعدما يكون قد اطلع مباشرة على حالة التلبس كما حدد حالاتها المشرع على سبيل الحصر في قانون المسطرة الجنائية -ولا ينتظر الإذن بالوضع تحت الحراسة النظرية كما هو الحال عند البحث في الأحوال العادية.
وما يؤسف له أن العديد من ضباط الشرطة القضائية لا يميزون بين البحث في حالة التلبس والبحث في الأحوال العادية، ومصدر هذا اللبس هو ضعف في التكوين والتأطير، فالعديد من ضباط الشرطة القضائية تمنح لهم الصفة الضبطية على خطورتها لمجرد الأقدمية في سلك الشرطة، ودون أن تطأ قدمهم قط مدرجات كليات الحقوق. مما ينعكس على أدائهم الوظيفي على مستوى شكليات تحرير المحاضر، والتي تشكل دفوعا شكلية تحرج ممثلي الحق العام أمام قضاء الموضوع، هذا في غياب كلي للإشراف والتوجيه والرقابة من قبل الضباط السامين على عمل الضابطة القضائية .

> ألا تثير باقي مراحل المحاكمة الجنائية العادلة أي إشكال؟
> ما يميز باقي مراحل المحاكمة الجنائية العادلة سواء أمام سلطة الاتهام (النيابة العامة) والمتابعة (قضاء التحقيق) أو أمام قضاء الموضوع، هو أن المتهم يكون أمام قاض محترف، يفترض أن يكون له تكوين رصين في المادة الجنائية ويكون نزيها ومحايدا ومستقلا، يؤمن بقيم الحق والعدل، ويؤمن بأن القضاء ليس وظيفة وإنما رسالة، وهذه المواصفات يجب أن يستحضرها المسؤول القضائي عند توزيع المهام على السادة القضاة عند انعقاد جمعيتهم العمومية، ولذلك فالمسؤول القضائي مسؤول عن عدالة المحاكمة من عدمها، من خلال اختياراته.
فممثل الحق العام مثلا يمكنه من تلقاء نفسه إذا عاين عنفا ظاهرا على المشتبه فيه أن يحيله على خبرة طبية مع ترتيب الآثار القانونية حماية للشرعية الجنائية والإجرائية التي تمنع انتزاع الاعتراف بالإكراه. وقاضي التحقيق وإن كان يعتبر ضابطا ساميا للشرطة القضائية، فلا ينبغي أن يطلق العنان للاعتقال الاحتياطي الذي يبقى مجرد استثناء ليس إلا، سيما أن قاضي التحقيق هو قاضي حكم لا يتصور الإدانة إلا يقينا، بخلاف قاضي النيابة العامة الذي قد يتابع لمجرد الشك.
وتبقى مرحلة المثول أمام قضاء الموضوع أهم مرحلة من مراحل المحاكمة الجنائية العادلة، إذ تمثل أمامه أطراف الخصومة الجنائية وهي المتهم والضحية والنيابة العامة ممثلة المجتمع.

> هل يعني ذلك أن الضحية ليس لها أي حق؟
> إن كان المتهم يتمتع أمام قضاء الموضوع بعدة حقوق وضمانات منها اعتباره بريئا -في جميع مراحل المحاكمة، واعتبار النيابة العامة المسؤولة الأولى والأخيرة عن دليل الاتهام -، والحق في الدفاع عن نفسه بنفسه أو الاستفادة من المساعدة القانونية والقضائية، فإن الضحية بدورها لها حقوق وضمانات كحقها في التظلم وفي الانتصاب مطالبة بالحق المدني للمطالبة بالتعويض عن الضرر من خلال الدعوى المدنية التابعة، بل لها قبل ذلك الحق في العناية والحماية والرعاية ورد الاعتبار إليها، وهو ما اهتدى إليه مشروع قانون المسطرة الجنائية المرتقب الذي تأثر بالقانون الفرنسي .

> هل توفير المحاكمة العادلة مرتبط فقط بالقضاة؟
> يبقى البعد الأخلاقي لكل متدخل في العملية القضائية، قطب الرحى في المحاكمة الجنائية إذا صلح صلحت المحاكمة، وإذا فسد فسدت المحاكمة الجنائية، ولو اعتمدت أحدث القوانين ومورست في أعظم قصور العدالة في تاريخ القضاء ، فالنزاهة والحياد والاستقامة والضبط والاستقلال، صفات لا تهم القاضي الجنائي وحده، بل تهم ضابط الشرطة القضائية المسؤول عن إنجاز المحاضر الذي ينبغي أن يكون محايدا ولا ينتصر لأحد الخصوم، وتهم الصحافي الذي يجب أن يحترم قرينة البراءة، باحترام سرية الأبحاث، وألا يشوش على العدالة بأحكام مسبقة، وهي تهم المحامي الذي ينبغي أن يتمسك بأعراف المهنة وتقاليدها بأن يكون مساعدا حقيقيا للعدالة لا مظللا لها، فالمحامي يلتزم ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة بالمفهوم المدني للكلمة. والدفاع إذا كان حقا دستوريا لا ينبغي أن يكون حقا أريد به باطل. وهي تهم الطبيب الذي يجب أن تكون خبرته نزيهة وموضوعية، بعيدا عن كل مجاملة، من شأنها أن توقع العدالة في خطأ التكييف. وتهم موظفي كتابة الضبط، وأطراف الخصومة الجنائية والشهود الذي عليهم الإدلاء بشهادتهم دون تحريف أو تزييف، لتكون المحاكمة الجنائية العادلة والمنصفة في اعتقادنا هي محاكمة للأخلاق والقيم والأعراف والتقاليد قبل أن تكون محاكمة بين الخصوم. وتبقى في اعتقادنا أقرب للوهم منه للحقيقة، لأنها ترتبط بالعنصر البشري الذي من الصعب بل من المستحيل السيطرة على ميولاته ورغباته ونزواته، في زمن أصبحنا نعيش فيه أزمة أخلاق وأزمة ذوق وغياب تام للوازع الأخلاقي والديني، ورحم الله الشاعر أحمد شوقي الذي قال:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإنهم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الصفة الضبطية
هناك اقتراح بعدم منح الصفة الضبطية بالأقدمية في سلك الشرطة، وثانيا عدم وضع أي مشتبه فيه في الحراسة النظرية إلا بإذن من النيابة العامة سواء في حالة التلبس أو في الأحوال العادية، وذلك احتراما لقرينة البراءة التي هي الأصل، وثانيا لتفادي الأخطاء التي قد يرتكبها ضباط الشرطة القضائية، عند مزاولة مهامهم القضائية وليس الإدارية، علما أن ما يضمنه ضابط الشرطة القضائية بالمحضر يؤخذ به حتى ولو لم يدل بتوقيع المصرح. لذلك ننادي بضرورة تعزيز ضمانات المحاكمة الجنائية العادلة في هذه المرحلة.

في سطور:
< دكتوراه في القانون الخاص
< الإجازة في القانون الخاص
< ماستر في القانون الخاص
< إطار برئاسة جامعة ابن طفيل في القنيطرة
< لها مجموعة من المقالات القانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق