افتتاحية

كفاءات مغيبة

أرحام أمهات المغاربة ليست عاقرا، فعبر التاريخ أنجبن كفاءات وأطرا رفع العالم لها قبعة الاحترام، ثم دارت السنون، وأصبح العثور على إبرة وسط القش أسهل من استقطاب النخب… فلم افتقد المغرب كفاءاته؟، وهل هي مسؤولية الدولة، أم مؤسسات التنشئة الاجتماعية؟، أم هناك فشل في المنظومات التعليمية والتربوية؟
سهل جدا رمي مسؤولية غياب الكفاءات على السياسات الحكومية، التي ظلت تهمشها وتبعدها عن تدبير الشأن العام، وتزرع فيها “حب الذات”، حتى فضل بعضها الانزواء وسكن الأبراج العالية، في حين قرر آخرون الهجرة إلى الخارج، تطبيقا لمقولة “أرض الله واسعة”. فالكفاءات تفضل الفردوس الأوربي على علقم التهميش في الوطن، لأسباب نلخصها في ما يلي:
أولا: حدود المسؤولية في غياب الكفاءات، يتحمل وزرها التعليم، ففشل المنظومة، طيلة سنوات، أدى إلى انغلاق الكفاءات، إن وجدت، على نفسها، إذ لا توفر الحكومات للكفاءات بنية الاستقطاب، فكيف لإطار يجني راتبا شهريا يقدر بالملايين في القطاع الخاص، أن يقبل العمل بأقل من نصف راتبه أو أقل بكثير في المؤسسات العمومية، وفق ظروف بيروقراطية.
ثانيا: أدى إنهاك مؤسسات التنشئة الاجتماعية، إلى عزوف الأطر عنها، علما أن دورها يتمثل في احتضانها وتلقينها قيم المواطنة والتضحية في سبيل الوطن، فلا نرى، الآن، إلا نخبا تفضل مصالحها الشخصية.
ثالثا: الأحزاب تفتقد إلى نخب جديدة تتماشى والرؤية الملكية لتحقيق التنمية، فالتسابق على الكراسي والمناصب أفقدها كل جاذبية للاستقطاب، وأصبحت لا تنتج إلا الشعارات الشعبوية، مع تهميش ما تبقى من أطرها الملتزمة.
دعا الملك، في الخطاب الأخير، رئيس الحكومة، إلى تعديل حكومي، لا يشمل الوزراء فقط، بل يعتمد على كفاءات جديدة ونخب قادرة على تحقيق الإقلاع.
ما يحز في النفس، هو ما نراه من فشل برامج حكومية، رغم أهميتها، ونذكر حكومة العثماني ببرنامج “فينكوم”، الذي أعلن عنه 2007، ويرمي إلى استقطاب الأطر، ودمجها في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والأعمال، واعتبارها أداة لربط علاقات مؤسساتية مع الكفاءات المغربية بالخارج، إلا أنه سرعان ما ووري الثرى.
الوطن في حاجة إلى أبنائه لتحقيق التنمية، فيكفي أن مجموعة من القطاعات الحيوية تعاني خصاصا في الأطر، مثل الأطباء والمهندسين في التكنولوجيات الحديثة، ما يشكل نزيفا كبيرا في الموارد والكفاءات البشرية، وهي كفاءات تستدعي توفير بيئة مواتية وحوافز من أجل جذبها، فالوطن في حاجة إلى أطره وكافة أبنائه من العقول النيرة للمساهمة في بنائه وتقدمه… حتى يغادر العتمة ويخرج من نفق الارتجال وينفتح على مستقبل يشيد بسواعد أطره… فهل وصلت الرسالة؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق