افتتاحية

طنجة وكازا

المسافة بين طنجة والبيضاء، هي نفسها بين مدينة ركبت القطار فائق السرعة للتنمية، وبين أخرى تستعمل العربات التي تجرها دواب للوصول إلى وجهتها.
بين حاضرة جعلتْ الحلم ممكنا وانطلقت في تحقيقه على جميع المستويات، وبين مدينة تهدر ملايير الدراهم سنويا في “إنتاج” الشعارات والأسماء الرنانة (القطب المالي، العاصمة الاقتصادية، المدينة الذكية، وي كازا…) وتعيش، بقية حياتها، في الوحل والأزبال والقاذورات.
وأنتَ تتجول في شوارع وأزقة وفضاءات وساحات طنجة، لا يمكن إلا أن تشعر بفخر الانتماء إلى وطن يُشيد ويبني ويتقدم ويتطور ويُطور، في حين تذكي فيك البيضاء أنواع السخط والغضب والتذمر والرغبة في “الهروب”، حتى أن الناس فقدت ابتسامتها مع مرور الوقت وتحولت إلى هياكل بلا روح، وأضحت قنابل موقوتة، الاقتراب منها يعني الانفجار.
فلا مجال للمقارنة، اليوم، بين مدينة بمواصفات عالمية تتحرك فيها الأوراش والمشاريع والبرامج الكبرى المهيكلة بشكل سلس وبأثر حقيقي على حياة السكان وتحسن ملاحظ لإطار عيش جميع الفئات في إطار عدالة تنموية ومجالية لا تخطئها العين، وبين مدينة استسلمت إلى مظاهر الترييف التي تزحف عليها من الجهات الثلاث، ويشتغل مسؤولوها بمنطق “كم حاجة قضيناها بتركها”.
بين مدينة للجن والملائكة تنافس كبريات العواصم العالمية في الجاذبية والاستثمار، وتحرك الرساميل والسياحة والبنيات التحتية فائقة الجودة والتربية على المواطنة، وبين عاصمة الأذرع المكسورة ومسؤولين قطر بهم السقف يعجزون عن حل ملفات صغيرة مثل النظافة والنقل واحتلال الملك العمومي ويغرقون لها “الشقف” في القروض الداخلية والخارجية.
فلماذا، إذن، تتقدم عروس الشمال بهذا النحو المبهر، وتتأخر البيضاء على نحو مقزز، رغم أنهما تبعدان الواحدة عن الأخرى بأقل من خمس ساعات ونصف ساعة بالسيارة، تقلصت إلى ساعتين مع انطلاق “البراق”؟
الجواب في نوعية “الرجال” الذين تعاقبوا على المدينتين وتركوا فيهما بصماتهم، سواء بالسلب او الإيجاب.
بين مسؤولين من طينة الكبار ومسيرين بكاريزما واضحة يملكون ناصية القرار والجرأة في اتخاذ المبادرة وتنفيذها ويعملون في الليل والنهار لتطوير المدينة، وبين أشباه مسؤولين يقضون سواد يومهم في اجتماعات المكاتب وينتظرون الأوامر من فوق.
إن الحواضر الكبرى فائقة التمدن، يشيدها النوع الأول من الرجال بمنسوب عال من الكفاءة والوطنية ورؤية ذكية وواضحة.
أما مطارح النفايات فيحكمها “الجاهلون”، أو بالأحرى يهدمونها..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق