حوار

أيلال: لا وجود لوثائق تؤرخ لعمر وأبي بكر

الباحث أيلال أكد غياب وثائق تتحدث عن سيرتهما كما تناقلتها كتب التراث

أكد رشيد أيلال، الكاتب والباحث، صاحب كتاب “صحيح البخاري… نهاية أسطورة”، المثير للجدل، عدم وجود وثيقة مادية تؤرخ لفترة عمر بن الخطاب وأبي بكر، أو لوجودهما أو لسيرتهما بالشكل الذي تناقلته كتب التراث الإسلامي. وأضاف أيلال، في الحوار الذي أجرته معه “الصباح”، أن كل من كتب عن هاتين الشخصيتين جاء بعد مئات السنين عن تاريخ وجودهما. تفاصيل أخرى أكثر إثارة تجدونها في الحوار التالي:

أجرت الحوار: نورا الفواري – تصوير: عبد الرحمان المختاري (مراكش)

< تحدثت عن كتاب جديد لك تقول فيه إن شخصيتي الخليفتين عمر بن الخطاب وأبي بكر من وحي الخيال، ولم تكونا حقيقيتين. إلى ماذا استندت في استنتاجك وحكمك هذا؟
< كلامي بخصوص الخليفتين أبي بكر وعمر بن الخطاب لم ينطلق من فراغ، فباستقراء التاريخ المادي لن تجد أي وثيقة مادية معاصرة للخليفتين تؤرخ وتوثق لفترتهما، بل حتى لوجودهما، ناهيك عن سيرتهما بالشكل الذي تناقلته كتب التراث الإسلامي، بل إن أبا بكر الصديق الذي يعتبر حسب السردية الإسلامية أول خليفة للمسلمين، لا يعرف أحد اسمه ولا اسم أبيه، فهو عبد الله، وهو عتيق وهو عبد الرحمن وهو عبد الكعبة وكني أيضا "أبو بكر" ودعي بالصديق، إذ لم يتفق من كتب في سيرة هذا الرجل على اسم له، مع العلم أن كل من كتب حول هاتين الشخصيتين جاء بعد مئات السنين عن تاريخ وجودهما الافتراضي، بل إن منهم من قال إن أبا بكر عاش جنديا من جنود عبد الله بن الزبير على العهد الأموي، وقتل معه في مكة، فمن هو أبو بكر حقا وصدقا؟! الروايات الشفوية لم تستقر على شيء ولم تتفق على قصة ولا اسم ولا رواية، وكتب الحديث تناقضت رواياتها "الصحيحة في منهاج المحدثين" حول من كان مع الرسول في الهجرة، هل هو أبو بكر أم شخص آخر؟!

< هل ينطبق الأمر على عمر بن الخطاب؟
< أما بالنسبة إلى عمر بن الخطاب، فبالتنقيب في الوثائق التاريخية، لا نجد إلا وثيقتين تؤرخان لشخصيتين كانتا تحملان اسم عمر بن الخطاب، الأولى عبارة عن وثيقة سريانية تتحدث عن الأسقف مار جبرائيل الذي عينه البطريارك على منطقة الرها والمتوفى في 631 ميلادية، وتشير إلى أن عمر بن الخطاب كان قائدا بسيطا على منطقة توجد بين تركيا وسوريا وقد لجأ إلى الأسقف، من أجل الصلاة له حتى ينجو هو وقبيلته من القحط الذي تسبب في جوعهم، وقطعا هذا ليس هو عمر بن الخطاب، الإمبراطور العظيم الذي قهر الروم والفرس وحكم مصر العظيمة التي تحتفظ ببرديات ونقوش ورسائل ورسوم وأيقونات تؤرخ لما يزيد عن أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، لكنها لم تحتفظ لعمر بن الخطاب بأدنى دليل يثبت وجوده، والتاريخ على العموم لم يسجل عن عمر أي شيء ولم يعترف له بأدنى دليل يوثق لإنجازاته العظيمة، الشيء الذي ينم عن حرج كبير!
أما الوثيقة الثانية فهي عبارة عن بردية باللغة العربية، تعود إلى القرن التاسع الميلادي، مسجلة بجامعة شيكاغو تحت رقم علمي E17861 تعود لما بين 815- 835 م حسب الأستاذ فريد دونر، وهي لشخص يدعى ابن سليم الحضرمي بعث بمبلغ من المال يقدر بستة وعشرين دينارا مع شخص اسمه صفوان إلى مجموعة من معارفه، الذين يبرهم بإحسان ومن بينهم شخص اسمه عمر بن الخطاب وحصته دينار واحد فقط! وبالطبع هذا ليس عمر بن الخطاب الموجود في السردية الإسلامية التي لا تستند إلى أي وثيقة تاريخية، بل مجرد روايات شفوية تمت صياغتها خلال القرن الرابع الهجري، أي بأكثر من ثلاثة قرون عما نقل إلينا من تاريخ وجود شخصية عمر بن الخطاب.

< سبق أن صرحت بأنك بصدد إنجاز كتب حول مواضيع مثل أسطورة الإسراء والمعراج، إضافة إلى كتاب حول الحريات الجنسية في القرآن. أين وصل البحث في هذه الكتب؟ ولماذا تصر على مثل هذه المواضيع المثيرة للجدل؟
< الكتابان فرغت منهما تقريبا، إلا من بعض التنقيحات البسيطة، التي يستدعيها تطور أي بحث، وسأبدأ بإصدار كتاب "الإسراء والمعراج أسطورة من؟" مطلع السنة المقبلة، أما بخصوص إثارة الجدل، فالباحث عندما يقوم بنشر بحث معين لا يكون في نيته أن يثير أي جدل بقدر ما يريد أن يشرك الناس في ما وصل إليه من بحث لإثراء نقاش بناء ومثمر حوله، لكن عقلية المجتمع وطريقة تعامله مع البحث المنشور، هي التي تجعل الأمر مثيرا للجدل، لأن مجتمعاتنا مع كامل الأسف تربت على رفض أي نقاش جديد أو فكرة جديدة حول موروثها التاريخي والديني، وتستخدم العاطفة في مواجهة هذه البحوث والأفكار، فيتحول النقاش من نقاش هادئ إلى جدل عقيم، فالذنب كل الذنب ليس في موضوع البحث أو فكرته، بقدر ما يكون في عقلية مجتمعاتنا المسلمة مع كامل الأسف.

"أسطورة البخاري"… فصل جديد
< تعرض كتابك حول البخاري إلى المنع والمصادرة من المكتبات وكان يباع "تحت المعطف"، مثلما يقال. ألا تخشى على كتبك المقبلة المصير نفسه أم أنك بحثت عن طريقة أخرى لتسويقها على نطاق واسع دون رقابة؟
< أولا أريد أن أنبه إلى أن كتاب "صحيح البخاري نهاية أسطورة" لم يمنع بشكل كلي، بل كان هناك قرار قضائي بمصادرته من مكتبة واحدة بمراكش، وقرار قضائي آخر بسلا، بمصادرته من المطبعة التي طبع بها في المدينة، لكن الكتاب مازال يباع في باقي مكتبات المدن الأخرى.
صحيح أننا حاولنا توزيع الكتاب وتسويقه في البداية تحت المعطف كما تفضلت، تحسبا لأي منع كلي، لكن الآن نقوم بتوزيعه بشكل عاد في المكتبات، وبعد أسابيع نعتزم إصدار طبعة جديدة مذيلة بفصل جديد لتصبح فصول الكتاب ستة بدل خمسة، التي كانت تحتوي عليها الطبعة السابقة، وأريد أن ألمح أيضا إلى أن كتاب البخاري تم توزيعه إلكترونيا بشكل مجاني، حتى أن عدد مرات تحميله تجاوز مائة ألف مرة، وهو رقم قياسي، فالكتاب تم نشره على نطاق واسع عالميا، وأي منع هنا أمام هذا الانتشار يصبح لا معنى له! وهذه طريقتنا التي نراهن عليها أيضا بخصوص الكتب القادمة، تحسبا لأي منع، والذي لا نخشاه أبدا، لكننا أيضا لا نحبذه ولا نريده.

علم الحديث لا يجيب عن الأسئلة الحرجة
< تحدث بعض الباحثين والمتتبعين عن قصورك العلمي والمعرفي وقالوا إنك تخوض في قضايا لست متخصصا فيها ولا معرفة لديك بها. كيف ترد على المشككين في كفاءتك الفكرية؟
< أرى أن هذا الادعاء هو شخصنة للنقاش، فبدل أن ينكب هؤلاء على مناقشة الطرح الذي جاء به الكتاب، حولوا النقاش إلى شخص الكاتب، وهو ما أعتبره شخصيا هروبا إلى الأمام، ومحاولة تغيير دفة النقاش من قضايا التاريخ والتراث، التي تفتقر إلى أدنى المؤيدات التاريخية، إلى مناقشة شخص رشيد أيلال. أما عن التخصص، فإني أرى أن المتخصص في ما يسمى العلوم الشرعية في النهاية، ليس إلا حارسا للمعبد القديم، فالمتخصص في "علم" الحديث، إذا تجاوزنا واعتبرناه علما، لا يمكن بالآليات نفسها أن ينتج لنا معرفة جديدة غير التي أنتجها الأسلاف، ثم إن "علم" الحديث الذي يجعل الرواية فرعا عن الراوي، لا يمكنه أن يجيب عن الأسئلة التاريخية الحرجة، من مثل غياب أي مخطوطة أصلية لكل كتب التراث الإسلامي، سواء الحديثية أو الفقهية أو حتى السيرة النبوية. لنسأل أهل الاختصاص إن استطاعوا أن يجيبوا عن سبب غياب هذه المخطوطات، علما أن أقرب مخطوطة للأشخاص الذين نسبت إليهم تعود إلى أزيد من 200 سنة عن وفاتهم. هل يستطيع هؤلاء المتخصصون أن يجيبونا عن أكثر من 300 سنة مفقودة من تاريخ الإسلام؟ طبعا لا يستطيعون لأن تخصصاتهم عاجزة عن ذلك، إذن فليفسحوا المجال إن كانوا عاجزين لعقول أخرى متشبعة بمعارف جديدة تؤهلنا للجواب عن تلك الأسئلة بكل شفافية وتجرد وحياد.

نموذج خلافة العدل والإحسان مليء بالعنف
< قضيت سنوات داخل جماعة "العدل والإحسان" قبل أن تتحول إلى نقد بعض الكتابات والمسائل "الدينية". كيف جاء هذا التحول؟
< هذا التحول جاء بعد استقراء لفكر الجماعة، والذي يتمحور حول الخلافة على منهاج النبوة، لأجد أن ذلك مجرد وهم مخدر للعقول، فبنية النص القرآني لا يمكن أن تشكل دولة، والنموذج التاريخي الذي يقدمونه للخلافة مليء بالعنف والدماء والدسائس والاقتتال على السلطة بشكل لا يصدق، بالإضافة إلى سذاجة بنيته الإدارية والسياسية، والتي كانت مناسبة جدا لفترته التاريخية، ومناخه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وحتى الآيات المتعلقة بالتشريع والأحكام في القرآن لا تتجاوز250 آية من أصل أزيد من 6000 آية قرآنية، ومعظم هذه الأحكام متعلقة بالشعائر الدينية، وليس بالتشريعات المتعلقة بسياسة الدولة، لذلك طيلة هذه المدة، والتي تناهز قرنا من الزمان، لم تستطع أي جماعة إسلاموية، أو أي حزب إسلاموي تقديم مشروع مجتمعي أو سياسي، كل ما لديهم ليس إلا خطابات عاطفية تتلصص على المخزون الثقافي الديني للشعوب المسلمة، لذلك كان لابد من أن أعيد حساباتي من جديد، لأخلص إلى أنه لا يمكن أن يصلح حالنا إلا بديمقراطية حقيقية، وبعقول تعيش عصرها وتنظر إلى الأمام بكل تفاؤل نحو مستقبل يعيش الكل فيه على أساس المواطنة والقانون وفصل الدين عن السياسة، واحترام التعدد الثقافي والعقائدي والإيمان بالإنسان المبدع القادر على اختراق كل قيود التخلف، ومنها الموروث الديني، الذي لم يعد له أي علاقة بالتطور المذهل الذي وصلت إليه البشرية اليوم.

نحتاج إلى ديمقراطية حقيقية
< تعرضت للسب والقذف والتشهير ودعا بعض المتطرفين إلى تصفيتك. ألا تخاف من أن تتحول هذه التهديدات إلى حقيقة؟
< طبعا الأمر مقلق جدا، سيما أن التطرف والإرهاب لا يؤمنان بحرية الفكر، لكن ماذا نفعل؟ هل نخاف ونصمت؟ أم نستمر في البحث والتنقيب والنطق بما نعتقده ونؤمن به؟ أرى أنه علينا الاستمرار، لأن النور سيلغي الظلمة، وظلام الليل مهما طال، سيعقبه نور الشمس الساطعة.

< يتهمك البعض بأنك قرآني تنكر ما جاء في الأحاديث والسيرة النبوية. إلى أي حد هذا الكلام صحيح؟
< أنا شخص أبحث عن الحقيقة ولا أصنف نفسي ضمن أي تيار، إلا تيار البحث العلمي والتنقيب عن الحقيقة، ويشرفني بكل تأكيد أن أنتمي إلى الإنسانية التي تدين بدين الحب للإنسان والكون والطبيعة، وقبل ذلك وأثناءه وبعده، حب هذا الوطن والبحث عما ينميه ويكسر عنه طوق التقليد الجامد.

< كل من يتطرق إلى مثل هذه المواضيع الشائكة التي تتطرق إليها يتعرض لهجومات شرسة من التكفيريين والظلاميين وبعض التيارات الإسلاموية. لماذا في نظرك يختارون طريق الهجوم بدل النقاش؟
< فاقد الشيء لا يعطيه. كيف يمكننا أن نجد غير الهجوم العنيف من أناس يعتقدون أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وأنهم موكلون من طرف الله للدفاع عن الدين، وأن غيرهم كافر زنديق وجب التنكيل به وقطع دابره بدل محاورته ونقاشه. إن العاقل هو من يحاور ويناقش حوارا هادئا بانيا، لكن من يعتبر العقلانية مسبة، ويعيرك بالعقلانية، كيف تنتظر منه أن يكون عاقلا؟!

في سطور
– كاتب وصحافي وشاعر وباحث
– مواليد 1974 بمراكش
– والده حميد أيلال كان خياطا
– غادر الدراسة في السنة الثانية إعدادي لظروف عائلية
– ثقف نفسه بنفسه من خلال الاطلاع وقراءة أمهات الكتب في مختلف المجالات
– أسس وترأس الفدرالية الوطنية المغربية للفنون والآداب
– مؤسس الصالون الأدبي "رباعية الأنس" الذي يجمع العديد من مبدعي المدينة الحمراء
– اشتغل في العديد من المنابر الإعلامية مثل يومية "المساء" و"رسالة الأمة" وإذاعة "شدى إف إم"
– صاحب كتاب "صحيح البخاري نهاية أسطورة"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض