ربورتاج

البيضـاء … فوضـى الأوراش

آلات الحفر تعيق حركة السير واختناق الطرقات يصيب البيضاويين بالقرف من مدينة ״مجنونة״

البيضاء جُنت، بعدما سرت اللامبالاة في شرايينها، وأصابها العبث بحالة سعار شديدة، حتى خرجت عن طوع الذين يقال إنهم يتولون تدبير شؤونها، فكل مناحي الحياة اليومية بها أصابها الشلل، تماشيا مع مقولة “كل واحد يلغي بلغاه”.

حركة سير مختنقة، وطرق موصدة صارت معها حركة المرور أكثر عسرا، وشوارع مغلقة، وحتى التي لم تُغلَق، فإن الحفر و” لي ضوضان” تفشت بها كما يتفشى الطاعون في الجسد المنهك القوى، وضجيج منبهات السيارات يصم الآذان، وغازاتها العادمة تملأ الفضاء كأنها ضباب لندن الكثيف… ولا أحد يبالي.
ولأن البيضاء “مجنونة”، فعلى سكانها الصبر والدعاء بشفاء المسؤولين من العبث، إذ يصرون على تعذيب البيضاويين بسادية، إذ كيف يعقل أن تتواصل الأشغال سنوات، ثم تترك لحال سبيلها؟
الغريب في أشغال البيضاء أن التخطيط لها يسير وفق أهواء المقاولين، ففي عطلة الصيف، مثلا، يغادر المدينة الآلاف لقضاء عطلتهم السنوية أو الدينية، وبمجرد ما تفتح المدارس أبوابها، يفتح المسؤولون أوراشا للحفر، دون استغلال لفصل الصيف، حينما تقل حركة السير بالشوارع.
تخيلوا شارعا، مثل “أم الربيع” يربط بين الحي الحسني والألفة وليساسفة ومناطق شاسعة بوسط المدينة ظل في فصل الصيف هادئا، لكن بمجرد الدخول المدرسي حلت آلات الحفر ومد القنوات، فأغلقت أجزاء منه لأيام طويلة، ما تسبب في اختناق غريب في حركة السير.
أغلق شارع “أم الربيع”، ولم يكن هناك من بديل غير فعل ذلك، رغم أنه أحد شرايين عدد من الأحياء، فهناك أكوام الأتربة الصفراء التي تخطف الأبصار، ومشهد الأنابيب البلاستيكية الرمادية والحمراء، والعمال بـآليات الحفر والدك والجرافات، في مشهد فوضوي حول حركة المرور ، خاصة في أوقات الذروة، إلى أشبه بالمرور من الصراط المستقيم.
الساعة تشير إلى السابعة والنصف صباحا، حين بدأ سائق يقود عربته بطريقة غريبة في شارع “أم الربيع”، وبدا مثل بهلوان، وهو يتجاوز السيارات من كل الاتجاهات، ويقلد سائقي السباقات في حركاتهم، وأحيانا ينعطف بالسيارة إلى درجة يوشك فيها على الاصطدام بباقي العربات، ثم يضغط على دواسة الفرامل بقوة، محدثا صوتا غريبا، ويعود إلى الدوران في اتجاه آخر، مخلفا وراءه سحبا من الأدخنة التي تحبس الأنفاس.
حين احتج بعض السكان أشار إلى أنها الطريقة الوحيدة للتخلص من الحفر والآلات والوصول إلى مقر عمله في الوقت المناسب، حينها تفهم باقي السائقين فمعاناتهم اليومية بالشارع جعلتهم ساخطين من أشغال لم تختر توقيتا مناسبا لبدايتها، وفضلت أن تتزامن مع الدخول المدرسي.
لا يخفي السائقون استياءهم من الأشغال التي لا تنتهي، إذ أكد متضررون أن الأشغال تتوقف في الساعة السادسة مساء وتبدأ في الثامنة صباحا، علما أنه يفترض مباشرتها في الأوقات التي لا تشهد الطرق اكتظاظا، كما جرت به العادة في المدن الكبرى، وقال أحدهم: “نتفهم جيدا الضجيج الذي تخلفه عمليات الحفر، غير أنه يجب أن يكون لذلك وقت محدد، إذ لا يمكن أن تتواصل الأشغال بالطريقة نفسها والبطء غير المبرر، فالبيضاء أصبحت عاصمة عالمية للأشغال التي لا تنتهي”.
لا تقتصر الأشغال على شارع بعينه، فشارع “ابن سينا” بدوره يعاني السائقون الأمرين من أجل المرور منه، والغريب أن تزاحم الآلات والشاحنات السيارات في أوقات الذروة، علما أن الشارع لم يكن يعاني إلا من الحفر التي نسي أمرها المسؤولون، وفضلوا وضع أرصفة لا معنى لها إطلاقا.
إنها حالة البيضاء، الآن، ففي الثمانينات كانت أشبه بلوحة تشكيلية تسحر سكانها، وتتنفس عطرا في شوارعها الرئيسية، وربما تتفوق على باريس في أنوارها الساطعة ليلا، ولندن في نظافتها ونيويورك في انسياب حركة المرور بشوارعها، إلا أن سنواتها الأخيرة جعلتها مدينة “مجنونة”.
ضوضاء

لا يحلم البيضاويون إلا بانسياب حركة السير لا حفر في شوارعها ، ولا “ضوضان تخرب هياكل السيارات”، وكل الشوارع تتوفر على كاميرات المراقبة، وتجاوز السرعة المحدودة يؤدي إلى دفع غرامة مالية كبيرة، ولا أشغال الحفر التي لا تنتهي بشوارع بدعوى مد خطوط شركات الاتصالات.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض