fbpx
بانوراما

عساكر لم ينصفوا … أيت أمزيل لحسن

التحقوا بالقوات المسلحة الملكية وهم شباب، وأفنوا حياتهم بين كثبان الرمال وعلى الحدود، وعلى متن الحافلات التي تقلهم من الصحراء نحو مسقط رأسهم بين جبال أزيلال، من حين لآخر لزيارة أهاليهم، لكن قدرهم المهني انتهى بهم إلى الاحتجاج أمام البرلمان، بالنظر إلى تدهور أوضاعهم المالية والاجتماعية والصحية. كثيرون لم يحضروا لحظة ميلاد أطفالهم، وآخرون شربوا بولهم جراء عطش وحر الصحراء. حملوا السلاح للدفاع عن الوطن، وصبروا على الجوع ووحشة الصحراء وفراق الأبناء، لكن الوطن جازاهم بمعاشات لا تحفظ كرامتهم، حتى اضطر عدد منهم إلى العودة للحراسة أمام العمارات، لكن بعد أن اشتد عليهم الخناق، طرحوا السؤال، هل هكذا يكون جزاء التضحية من أجل الوطن؟

الحلقة الثانية:

جندت سنة 1974، ودخلت بشكل تطوعي للجيش من أجل الدفاع عن الصحراء المغربية، واشتغلت هناك سنوات طويلة، وكابدنا فيها المعاناة والمآسي٬ خاصة أني لم أمض سوى سنة واحدة في “الداخل٬” بثكنة تادلة٬ في ما أضعت ما تبقى من حياتي بين كثبان الرمال. لقد كانت الحياة قاسية جدا في الصحراء. يخونني التعبير عن حجم القسوة التي تخفيها حياة الجندية في الصحراء.
عندما أعود بالذاكرة إلى الوراء، أتذكر أني صبرت عن أمور لا يمكن تصورها فداء لوطني، من قبيل شرب البول، حينما تنقطع بنا السبل في الصحراء ولا يكون لدينا ماء، بالإضافة إلى أني أكلت غير ما مرة الخبز “كارم”، الذي تبولت عليه الفئران. لكن ما يحز في النفس حاليا، هو أنه، رغم كل تلك المعاناة، انتهى بنا الأمر أمام البرلمان نطالب برفع المعاشات وتوفير العلاج المجاني، في وقت لا تتجاوز فيه معاشات أغلبنا سقف ألفي درهم.
حاولنا، منذ 2009، أن نلفت نظر المؤسسة العسكرية، من خلال المراسلات والاحتجاجات، لكنها لم تعر أي اهتمام لقضيتنا، ما اضطرنا إلى تشكيل تنسيقية للدفاع عن حقوقنا، والمطالبة برفع المعاشات الهزيلة، ورفع نفقات العلاج على كاهلنا، لأنها مكلفة جدا، إذا ما قورنت مع معاشانا الشهري.
وفي وقت كان من الضروري على الدولة أن تلتفت إلى قضيتنا، وترأف بأحوالنا وأحوال أسرنا، شرعت في محاسبتنا على بعض التصريحات التي ندلي بها للصحافة، لكننا لم نعد خائفين من أحد، لأننا قلنا الحقيقة والواقع فقط، سواء تعلق الأمر بما كنا نعانيه في الصحراء، أو ما نعيشه اليوم من مآس، خاصة بعد تقدمنا في السن، وحاجتنا الماسة إلى العلاج.
ما يحز في نفسي، أني أضعت حياتي بين الجبال وكثبان الرمال، فبعد طفولة قاسية في الهامش، انتقلت إلى الصحراء، واشتغلت في عدة مناطق، وبعد إحالتي على التقاعد، عدت إلى مسقط رأسي بأزيلال، لتتضاعف المعاناة وقسوة الحياة، لأن الجميع يعلم أن أزيلال ليست فيها فرص عمل محترمة، ولا تتوفر على مستشفيات، وهو ما زاد من تأزم أوضاعنا، لأننا نضطر إلى التنقل إلى مدن أخرى من أجل العلاج، وهناك من اشتغل في مهن الحراسة أو جمع الأزبال في البلدية، أخجل أن أشتغل في الكنس أو حراسة الفيلات، إذ كيف لشخص عمل حارسا للحدود بالسلاح 28 سنة، أن ينتهي به الأمر حارسا في البرد القارس أمام إحدى العمارات، هل هذا هو الإنصاف؟

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق