fbpx
بانوراما

بوسلهام الضعيف … مكتبة إفريقيا

بوسلهام الضعيف…كتب في حياتي 7

راكم المسرحي بوسلهام الضعيف تجربة مسرحية ثرية وخصبة، وطنيا وعربيا، كما يساهم في التكوين والتأطير والتنظيم والبحث الأكاديمي، إلى جانب إبداعاته الغنية. اشتغل في الصحافة، خاصة في النقد الفني في مرحلة من مساره الغني. في هذه الزاوية (كتب في حياتي )، يقدم بوسلهام الضعيف لقارئ «الصباح» جزءا من تجاربه في القراءة بلغة سهلة وشفافة، تخاطب مجمل القراء…
عيسى الكامحي
جاء بيتر بروك مع فرقته المسرحية إلى فاس هربا من ضغط باريس وأضوائها، للبحث عن الصفاء والهدوء. في الإقامة الفنية دار البطحاء بفاس، وهو فضاء رياض تقليدي عريق وفيه أنشأت الفرقة مسرحها، وعالم تداريبها. لا صحافة ولا إعلام، بعيدا عن الأعين وعن كل ما يمكن أن يزعج سكينة هذا الطقس التدريبي. عندما يخرجون من الدار إلى حارات فاس العتيقة يبدون مثل سواح عابرين، لا أحد ينتبه إليهم، وإلى ذلك العجوز الذي يمشي في الخلف حذرا كأنه طفل يتلمس هشاشة العالم، ذلك العجوز هو أيقونة المسرح العالمي، بيتر بروك، والذي لم يكن مجيئه إلى فاس اعتباطيا، بل له علاقة بعوالم مسرحيته الجديدة (تيرونو بوكار).
(تيرونو بوكار) من أبرز شيوخ الصوفية بمالي، المعلم الروحي (لأمادو همباتي باه) وهو معلم صوفي ينتمي للطريقة التيجانية بمالي. وسيشخص دوره الممثل الشهير (سوتيغي كوايتي).
بيتر بروك كان من المسرحيين الأوائل الذين اشتغلوا على التجربة الإفريقية، سواء من خلال رحلاته إلى إفريقيا واشتغاله هناك في الساحات العمومية والقرى. ثم اشتغاله على نص (البذلة ) للمؤلف الجنوب إفريقي (كان تيمبا)، الذي عاش مرحلة القمع والاضطهاد خلال نظام الميز العنصري بكل تمظهراته وتوفي سنة 1967 في المنفى موزعا بين الإحباط والإدمان، وقد قام باقتباس قصته إلى المسرح (موتوبي موتلواست) وقام باخراجها (بيرني سيمون) وحين كانت المسرحية تعرض في لندن سنة 1995 كان مخرجها يرقد في المستشفى لإجراء عملية جراحية على قلبه. وفي سنة 1999 عاد (بيتر بروك) للاشتغال على هذا النص انطلاقا من اقتباس فرنسي (لماري الين ايتيان)، التي سبق وأن اشتغلت مع بروك في العديد من المشاريع المسرحية سواء مساعدة أو متعاونة في الكتابة. وفي هذه التجربة عندما يتحدث بيتربروك عن المسرح الإفريقي، فانه يعني بالتدقيق تجربة المسرح بسويتو (soweto)، وهو تجربة فنية أفرزها نظام الميز العنصري حين عزل السود في مخيمات، ومن ثم تولدت الحاجة لديهم للتنديد بالعنصرية، والترويح عن النفس. فمسرحهم يمكن أن يقدم في أي مكان دونما الحاجة إلى القاعة المسرحية، فهو يعتمد على الحكي، حكي تفرضه الضرورة – النظام السياسي والاجتماعي – ويقوم على مبدأ المشاركة.
تعرفت على الممثل (سوتيغي كواياتي) قي تونس بمهرجان قرطاج خلال 1999، ساعتها كان من المفروض أن يلتقي جمهور المهرجان مع بيتر بروك، لكنه اعتذر في آخر لحظة وحضر بديلا عنه (سوتيغي)، كان لحظة فارقة وفريدة، ممثل يحكي بلغة الأقاصي البعيدة في جغرافية الجسد، جسد إفريقي في أدغال الحضارة. سألتقي مرة أخرى مع سوتيغي قبل عرض(البذلة) ثم عندما جاء مرة أخرى الى فاس حكواتيا. وفي كل مرة كنت ألتقي به، كان يكشف لي عن جوانب خفية في عمله وفي حياته، وكانت لازمة حديثه هي (أخي – مون فرير)، وهو العتيق في بواطن الروحانيات، والبساطة، سألته كيف استطعت أن تتعايش مع العوالم الأوربية وكان جوابه مستمدا من الحكمة الإفريقية: لا يمكن لجذع شجرة أن يتحول إلى تمساح حتى ولو عاش عمره كله في النهر.
في تجربة (بيتر بروك ) كان هناك حضور قوي لسوتيغي، بل إنه كان من الممثلين المفضلين لديه، مثل في (المهابهاراتا) وفي (هاملت)، كما مثل في أفلام عالمية عديدة، ومن خلالها أكد حضوره ممثلا عالميا، ببصمة خاصة ومتفردة. وعندما توفي (سوتيغي) في 2010 بباريس، هناك من استحضر تاريخه لاعبا لكرة قدم وعميدا لمنتخب بوركينا فاسو إلى حدود 1966. أما أنا، فتذكرت جملة الفيلسوف أمادو همباتي باه: (عندما يتوفى رجل مسن بإفريقيا، فإن ذلك بمنزلة احتراق مكتبة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق