fbpx
بانوراما

إمبراطورية الجنرالات … الشرطة السياسية

إمبراطورية الجنرالات 4

عقيد سابق يحكي كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها منذ 1988

كشفت إفادات عسكريين جزائريين قرروا الهروب من قلعة الجيش الجزائري أن الجنرالات لا يمكن ائتمانهم على مآل الحراك، وأن المحاكمات الجارية ما هي إلا تصفية حسابات مع سياسيين ورجال أعمال تجرؤوا على سطوة الثكنات على النظام، كما هو الحال بالنسبة إلى محمد سمراوي، الجنرال قائد الأمن العسكري سابقا، الذي تؤكد روايته في كتاب “سنوات الدم” أن حملة مكافحة الفساد ما هي إلا وسيلة للسلطات لمحاولة تقسيم الحركة الاحتجاجية، وتصفية حسابات داخلية، وأن مرحلة ما بعد بوتفليقة الجزائر بلغت نقطة مفصلية، إما أن تبدأ السلطة في إصلاحات لتغيير النظام ككل، أو العودة إلى أصلها الاستبدادي.
وتؤكد مجريات الأحداث بعد انتفاضة 1988 كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها، وتعد سوق العقارات من الأسواق الخصبة لـ”بزنس عسكر الجزائر”، إذ كشفت التحقيقات الأخيرة مع خمسة جنرالات امتلاكهم لثروات كبيرة، وشركات عقارية برؤوس أموال ضخمة.

ياسين قُطيب

لم ينج من اختراق الأمن العسكري أي حزب سياسي مؤثر

كانت الأمور واضحة، بالنسبة إلى سمراوي، الذي كان ما يزال رائدا، خاصة بعد خلافته مع حاج رباع، المنتوج الخالص “معتق” للنظام القديم، والموضوع من قبل الجنرالات على رأس مصلحة البحث والتحليل (إس. إر. آ)، فقد كان سمراوي يعتقد أنه يجسد التغيير، وكان يرى أن من واجبه نفخ روح التجديد هذه في نفوس رجاله.
لكنه يقر في فقرات أخرى من كتابه أنه كان ينفذ تعليمات لم تكن تسير في اتجاه روح التجديد التي يحلم بها، مسجلا أن الخطأ الرئيسي المرتكب من قبل معسكر ضباط التغيير في عهد الجنرال بتشين، الذي دام إلى غاية شتنبر 1990″ تمثل في العمل على اختراق الأحزاب السياسية التي كانت في الحقيقة تمارس نشاطها في إطار الشرعية وطبقا للقانون، ومن ثم جاء ما سيعرف بعد ذلك بـ “الشرطة السياسية”، على حد تعبير المعارضين الحقيقيين في إشارة إلى مصالح الأمن العسكري.
لم ينج من اختراق الأمن العسكري أي حزب سياسي مؤثر، وليس فقط الجبهة الإسلامية للإنقاذ (ف. ي. س) وجبهة القوي الإسلامية (إف. إف. إس)، وانخرط في العملية حتى المعارضون لنهج القبضة الحديدية، ربما لأنهم لم يكونوا بعد قد اكتسبوا تجربة التعاطي مع الديمقراطية، ولم يصلوا بعد إلى التمييز بين المعارض والعدو، بحكم أنهم طيلة سنوات خدمتهم، كانت مهمتهم الأساسية تتمثل في مطاردة المعارضين المعتبرين “أعداء للثورة”. ذلك أن معظم الضباط سيواجهون للمرة الأولى معارضين يمتلكون حق النقد العلني والصريح، في حين أن رؤساءهم ما يزالون على ولائهم الأول.
كانت صلاحيات مصالح الأمن العسكري تتمحور حول أربع مهام رئيسية هي: مكافحة الجرائم الاقتصادية أو ما يعرف بـ “الوقاية الاقتصادية”، وإجراء “تحقيقات التأهيل” لتعيين الشخصيات في المناصب العليا للدولة، والتجسس المضاد، بالإضافة إلى “الأمن الداخلي” بما يشمله من مراقبة الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية (النقابية، الطلابية)، ومراقبة الصحافة، وكذلك بعض “الأماكن الحساسة” مثل الموانئ والمطارات والفنادق، ومتابعة التجمعات والمؤتمرات والاجتماعات والمظاهرات، والمشاركة في الأعمال الإدارية بالولايات والدوائر والبلديات، وإعداد التحاليل الاستشرافية اللازمة للقيادة، قصد اتخاذ القرارات على ضوء المعطيات المقدمة.
بعد أحداث أكتوبر 1988 أصبحت مصالح “الشرطة السياسية” منحصرة بأيدي مجموعة من الأطر العاملة مع الجنرال بتشين الموضوعة على رأس الإدارة العامة والمفتشية والوسائل والمالية والقسم التقني وقسم مكافحة التدخل الخارجي، الذي ضم مديريتين، الأمن الداخلي والجوسسة المضادة، بالإضافة إلى ستة مراكز للبحث والتقصي موزعة على النواحي العسكرية، كل ذلك بتنسيق من مصلحة البحث والتحليل والمركز الرئيسي للعمليات (سي. بي. أو).
وكان أكثر رجال الأمن العسكري الرائد عبد القادر حداد المدعو “عبد الرحمان” والمعروف كذلك باسم مستعار ثان هو “النمر”، رئيس مكافحة التدخل الخارجي، الذي كثر أعدؤه بسبب مغالاته في الاستنطاقات الخشنة، إذ ذهب ضحية مؤامرة أوقعته في فخ الخيانة رغم ذكائه الحاد وكفاءته العالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق