بانوراما

وثائق من ذاكرة مكناس … شيوخ مكناس يطالبون بالاستقالة

وثائق من ذاكرة مكناس … الحلقة الأخيرة

يتوفر أرشيف جماعة مكناس على وثائق هامة من تاريخ المغرب الحديث، تهم أحداثا ووقائع زيارات لمسؤولين في حركة المقاومة وجيش التحرير، ومواقف وتقارير أمنية وقصاصات إعلامية تغطي فترة من الصراع السياسي الذي عاشه المغرب خلال فترة ما بعد الاستقلال، خاصة في منطقة مكناس وضواحيها. ونظرا لأهمية ما تختزنه ذاكرة جماعة مكناس من وثائق، فقد حرص جامع بيضا، مدير مؤسسة أرشيف المغرب، على توقيع اتفاقية شراكة مع الجماعة، من أجل حفظ الذاكرة، واستثمار الرصيد الهام من الوثائق التي تتوفر عليها خزانة البلدية. التقت “الصباح” رشيد بوجية، رئيس قسم الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية بالجماعة، وأحد الباحثين المولعين بجمع الوثائق التاريخية، والتنقيب في الأرشيفات التي تتوفر عليها الجماعة، واختارت الكشف عن بعض النماذج من الوثائق التي يحتفظ بها…
إعداد: برحو بوزياني

مهامهم المتعددة وغياب المساعدة أغضبتهم

الوثيقة الثامنة عبارة عن مراسلة من رئيس دائرة أحواز مكناس إلى الأمير عامل الإقليم بالنيابة، مؤرخة بتاريخ 5 غشت 1958، وهي مراسلة جوابية عن كتاب للعامل، توصل بها رئيس الدائرة بشأن تخفيض عدد المقدمين، وحذف كتاب الشيوخ وحملة البريد المعروفين باسم «الرقاصة».
الوثيقة التي تحمل طابعا سريا تفيد أن جميع شيوخ الدائرة المعنية، وبعد الاطلاع على فحوى مراسلة العامل عدد 44059 م ك/4، طلبوا استقالتهم من مناصبهم.
وأوردت الوثيقة الأسباب التي دفعت الشيوخ إلى اتخاذ هذا الموقف، مشيرة إلى أن عدد ثلاثة مقدمين للشيخ، عوض تسعة أو عشرة، لا يكفي لمساعدة الشيوخ في القيام بمهامهم الصعبة، نظرا لكثرة الأعمال، وتفرق السكان.
وأضافت الوثيقة أن «الشيوخ يقومون بأنفسهم بجولات استطلاعية بالدواوير للمحافظة على الأمن، واكتشاف أحوال السكان السياسية، زيادة على ما يقومون به من أعمال إدارية، مستعملين في ذلك تارة سياراتهم، وتارة دوابهم، أو مشيا على الأقدام في بعض الأحيان».
واسترسل رئيس الدائرة في عرض مبررات الشيوخ الرافضين لطلب تخفيض عدد المقدمين، مشيرا إلى أن الشيوخ في حاجة ماسة إلى العدد الكافي من المقدمين لمساعدتهم، فالمقدمون تقول الوثيقة التي تحمل ترويسة «وزارة الداخلية عمالة مكناس دائرة أحواز مكناس»، يقومون بإعلام السكان بمواعد عملية إحصاء الترتيب وأدائه وتوزيع السلفات وأدائها، ومواعد إجراء عملية تلقيح السكان ضد الأمراض، وكذلك تلقيح الماشية ، كما يوزعون استدعاءات المحاكم العدلية، والاستدعاءات الإدارية، ويقومون بغير هذا من الأشغال الإدارية، التي لا يمكن للشيوخ أن يباشروها بأنفسهم.
أما السبب الثاني، تقول الوثيقة، التي تتكون من صفحتين، إن «الشيوخ مضطرون إلى مساعدة الكتاب، لأنهم ملزمون بتوجيه تقاريرهم إلى القواد في شأن الجرائم والحوادث، التي تقع بقبائلهم، خصوصا الماسة بالأمن والسياسة».
كما يقومون بالجواب عن رسائل القواد المتعلقة بما تطلبه المحاكم العدلية من تنفيذ الأحكام أو إجراء أبحاث في القضايا التي تهمها، وبإعطائهم للسكان شهادات في ما يرجع إلى الحالة المدنية، من قبيل التصريح بالمواليد والوفيات والتعريف الشخصي والسكني، وغيرها من الأشغال التي لا يمكن القيام بها إلى كتابة، والحال أن أغلبهم لا يحسن الكتابة، على أنه يجب أن يلفت نظر الدوائر العليا إلى أن الشيخ ولو كان ذا ثقافة، لا يمكنه القيام بأعمال الكتابة والإدارة والأمن والسياسة.
أما السبب الثالث، تضيف الوثيقة، فهو أن الشيوخ لا يستغنون عن مساعدة حملة البريد أي «الرقاصة»، لأن هؤلاء يقومون يوميا بحمل البريد المتبادل بين القواد والشيوخ ، وبتوزيع ما تقتضي الإدارة توزيعه على المقدمين، بعد اطلاع الشيوخ عليه، وقد يقطعون المسافة الطويلة، للقيام بهذا العمل الشاق.
وأمام هذه الوضعية، فمن الضروري، يقول رئيس الدائرة، والحالة هذه أن الدور الذي يقوم به الشيوخ له أهمية كبرى في الميدان الإداري، وأن عملهم متوقف على مساعدة المقدمين والكتاب وحملة البريد، ومهما فقدت هذه المساعدة أو فقد بعضها، يصبح الشيوخ عاجزين عن القيام بتسيير الشؤون المنوطة بعهدتهم، وينجم عن ذلك اختلال أو تعطيل في الجهاز الإداري، ولا يفهم من طلب الشيوخ استقالتهم، أنهم يقصدون بذلك تعجيز الإدارة، لأن هذا يتنافى مع ما بذلوه من تضحيات طيلة عملهم منذ سنين، رغم قلة أجرهم الشهري الذي يتراوح ما بين 24 و28 ألف فرنك، والذي هو غير كاف لتسديد نفقات سياراتهم، فضلا عن تسديد حاجياتهم العالية الضرورية.
إن خلاصة هذا العرض أنه يستحيل تطبيق هذا التنظيم المشار إليه برسالتكم المذكورة عدده، بدون أن يرجع إلى ما كان عليه الحال في العهد البائد، وأعني بذلك أن الشيوخ وكتابهم والمقدمين و»الرقاصة»، كانوا يتقاضون أجورهم من السكان بطريق الرشوة أو الفريضة بكيفية لا يقبلها نظام العهد الجديد، عهد المغرب المستقل.
وختم رئيس الدائرة كتابه قائلا «المرجو من سموكم أن تعملوا اللازم لدى الدوائر العليا، وتخبرونا بما سينتج، وعليكم المحبة والسلام».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق