fbpx
بانوراما

إمبراطورية الجنرالات … أداة قمع بين أياد إجرامية

إمبراطورية الجنرالات 1

عقيد سابق يحكي كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها منذ 1988

كشفت إفادات عسكريين جزائريين قرروا الهروب من قلعة الجيش الجزائري أن الجنرالات لا يمكن ائتمانهم على مآل الحراك، وأن المحاكمات الجارية ما هي إلا تصفية حسابات مع سياسيين ورجال أعمال تجرؤوا على سطوة الثكنات على النظام، كما هو الحال بالنسبة إلى محمد سمراوي، الجنرال قائد الأمن العسكري سابقا، الذي تؤكد روايته في كتاب “سنوات الدم” أن حملة مكافحة الفساد ما هي إلا وسيلة للسلطات لمحاولة تقسيم الحركة الاحتجاجية، وتصفية حسابات داخلية، وأن مرحلة ما بعد بوتفليقة الجزائر بلغت نقطة مفصلية، إما أن تبدأ السلطة في إصلاحات لتغيير النظام ككل، أو العودة إلى أصلها الاستبدادي.
وتؤكد مجريات الأحداث بعد انتفاضة 1988 كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها، وتعد سوق العقارات من الأسواق الخصبة لـ”بزنس عسكر الجزائر”، إذ كشفت التحقيقات الأخيرة مع خمسة جنرالات امتلاكهم لثروات كبيرة، وشركات عقارية برؤوس أموال ضخمة.

ياسين قُطيب

دولة داخل دولة تتمتع بصلاحيات وإمكانيات واسعة

يتذكر العقيد محمد سمراوي أنه عندما اختار الأمن العسكري مباشرة بعد انخراطه في الجيش في 7 يوليو1974، كيف كان طموحه وغاياته في 21 من عمره أن يقدم مساهمة في بناء دولة قانون قوية، ديمقراطية، مؤسسة على مبادئ وقيم ثوار التحرير، كما أعلن عنها في فاتح نونبر سنة 1954، بما تشمله من احترام الحريات واختيارات الشعب، لكن مع الزمن وبفعل الوظائف والمسؤوليات التي تقلدها، ومع التجربة والخبرة التي توفرت لديه على مدى عشرين سنة، يجزم بكل تأكيد أن الجهاز الذي انضم إليه طواعية هو «قلب» السلطة في الجزائر.
جهاز يصفه صاحب الكتاب أنه دولة حقيقية داخل دولة، يتمتع بصلاحيات وإمكانات ووسائل لا حدود لها، إذ اكتسب هذا السلك من الأمن بحق شهرة «صانع الملوك» لأن «ليسيرفيس»، أي (المصالح)، وهو الاسم الذي يطلقه العسكر في الجارة الشرقية على الماسكين بزمام البلاد ، فهي التي كانت تُعين أو تَعزل المديرين العامين للمؤسسات العمومية، الولاة، القناصل والسفراء، نواب البرلمان والوزراء وحتى رؤساء الجمهورية.
حاول هذا الضابط السامي في المخابرات العسكرية الجزائرية في بداية الأمر أن يستدل بالعقل ويقنع رؤساءه بضرورة تغيير الإستراتيجية التي تسير في اتجاه متعارض مع مصالح الشعب، ولما لم يجد آذانا صاغية لرأيه اتخذ موقفا مغايرا منذ 1992، وابتداء من 1996 كان من بين أوائل كبار الضباط الذين رفضوا مسايرة الانحراف فقرر ترك العمل في مؤسسة أصبحت «أداة قمع بين أياد إجرامية».
وتأكدت خلال سنوات التسعينات حقيقة أخرى لديه، وهي أن توجهات الجهاز الذي كان ينتمي إليه ضد الجزائر والجزائريين بدلا من وضع إمكاناته الهائلة ووسائله الضخمة في خدمة البلاد والعباد، إن رؤساء الاستعلامات أمثال محمد مدين، وإسماعيل العماري، وكمال عبد الرحمان، نظموا بالتواطؤ مع أعضاء عصابة الجنرالات وبعض «الدمى المدنيين» عملية نهب ثروات البلد وارتكاب جرائم بشعة ضد مواطني بلدهم، فلم ينج منهم لا الإسلاميون ولا الديمقراطيون ولا المثقفون ولا حتى العسكريون أنفسهم، ذلك أن الشعار الوحيد لهؤلاء المفترسين هو تسيير البلد على هواهم وحسب أمزجتهم المتقلبة، دون قبول أي شكل من أشكال الاحتجاج.
كانت 1988 سنة فارقة في تاريخ السلطة بالجزائر، اكتشف فيها الشباب الجزائري معسكرات الاعتقال في الصحراء المسماة كناية «مراكز أمنية»، ثلاثة عقود على انتهاء حرب التحرير، وجربوا الاختطاف والاستخدام الواسع للتعذيب، المستعمل بكيفية تلقائية لابتزاز المعلومات و خاصة لإذلال المعتقلين، وكذلك التصفيات الجسدية والاغتيالات السياسية (محمد بوضياف، قاصدي مرباح، عبد الحق بن حمودة، عبد القادر حشاني…) والمحاكم الخاصة وحظر التجول، و»مواطنو الدرجة الثانية»، والميليشيات، و»جماعات الدفاع الذاتي».
كل ذلك يذكر الجميع بممارسات جيش الاحتلال، تجنيد واستخدام للجنود الإضافيين، الحركى، المخازنية، القومية، ولم يعد أحد يستغرب الاعتقاد السائد لدى عموم الجزائريين آنذاك وهم يشاهدون بأعينهم ويلمسونه بأيديهم أن سياسة الجنرالات ما هي إلا امتداد أو استمرار لتلك السياسة التي مارسها عساكر الاحتلال في سنوات الخمسينات من القرن الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق