fbpx
ملف الصباح

انعكاس سلبي على المردودية

لا يختلف اثنان حول إيجابيات حركة التنقيلات التي تجريها المصالح المختصة على موظفيها، سواء تعلق الأمر برجال السلطة وأعوانهم وكذا الدرك الملكي والأمن الوطني والقضاء والجيش والطب وغيرها من القطاعات التي لها علاقة مباشرة بالمواطن.
قضاء موظف ما، سبع سنوات من العمل في الإدارة العمومية، يجعله يكتسب تجربة كبيرة ويقوم بخدمة المرتفقين، لكن ما إن يتوصل بقرار تنقيله إلى مدينة أخرى خاصة النائية، يصاب بصدمة كبيرة وخيبة أمل تحوله إلى ناقم على وضعيته ليقرر الانتقام لنفسه ولعائلته الصغيرة، لكن الضحية في الأخير يظل هو المرتفق.
للتأكد من آثار انعكاس حركة التنقيلات العشوائية في بعض الأحيان على الموظفين بمختلف تخصصاتهم ودرجاتهم، يكفي القيام بجولة صغيرة لمقر بعض المقاطعات للوقوف على صور “كل يلغي بلغاه”، فإذا كان دخول الموظفين ينطلق في الساعة التاسعة للشروع رسميا في العمل، فإن بعض القياد يؤمنون بحكمة “إذا عمت هانت”، فما إن يحط رجل السلطة رحاله بمكتبه حتى تجد طابورا من المواطنين ينتظرونه دون أن يستفيدوا من خدماته التي لا تحتاج سوى جرة قلم.
من خلال صورة شخصية تقريبية لبعض القياد الذين تغيرت حياتهم رأسا على عقب، كان حميد وهو مجرد مثال، أول من يحضر وآخر من ينصرف، بل يتأبط بعض الملفات العالقة لحملها معه إلى بيته، من أجل دراستها وتجويد خدماته لفائدة المواطنين التابعين لنفوذ دائرته.
كان حميد يشعر باغتباط حين يرى وجوه المواطنين منشرحة بعدما أسدى خدمات توقيتا وأداء، إلا أنه بعد تنقيله إلى مدينة بعيدة عن مكان ميلاده ونشأته وزواجه، أصبح ناقما ووجد نفسه لا يطيق حتى النظر في وجوه المرتفقين، فرغم تنقيله رفقة زوجته وأبنائه، إلا أن المشاكل المرتبطة بتنقل أطفاله من مدرسة إلى أخرى وبيئة غير التي ألفوها والبعد عن والديه وأصدقائه المقربين جعله يصاب بالغربة في مدينة لا يعرف فيها سوى عنوان مكتبه وبيته الجديد.
حاول حميد أن يحافظ على مهنيته التي كان يتحلى بها عند بداية مسيرته، لكن تنقيله المتكرر والعمل داخل بيئة لم يألفها وضعه ضمن خانة “ضحايا التنقيلات” إلى درجة أن هناك من اعتبرها عقوبة رغم أنها مجرد إرادة لتعميم استفادة المواطنين من خدمات الموظفين الأكفاء.
وأمام الشعور بالاغتراب والملل من عمله الجديد، بدأ حميد يعود إلى بيته منهك القوى وهو ما يحرمه من اللعب مع أطفاله وقضاء لحظات خاصة رفقة زوجته التي بدأت في الضجر من مجيئه متعبا ومتعصبا، وهو ما أدى إلى ظهور لحظات من الخصام بين الزوجين، بل وصل الأمر في لحظات متكررة إلى مطالبتها له بالطلاق بسبب حالته النفسية في ظل ظروف عمل غير مواتية.
وأمام هذا المستجد الذي بدأ يهدد أسرة حميد قرر تغيير شخصيته من موظف مثالي ومجتهد إلى كسول ومتذمر، كيف لا والجو المسيطر على العمل لا يشجع على أداء المهام بضمير، بل كاد يعصف بحياته ويشرد أسرته الصغيرة.
ورغم القوة التي يظهر بها حميد أمام المرتفقين إلا أنه في لحظة ضعف إنساني يبوح لأصدقائه المقربين أنه منهار القوى بفعل ظروف العمل غير المساعدة على الإنتاج والعمل بضمير مهني، مشيرا إلى أن انعكاس التنقيلات المتكررة حولته إلى إنسان آلي لا تعرف السعادة طريقه ولا خدمة المرتفقين همه.
محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق