fbpx
بانوراما

ذاكرة المدينة القديمة بالبيضاء

تختزن المدينة العتيقة للبيضاء، مرحلة مهمة من التاريخ المعاصر للمغرب، إذ كانت بوابة الحضارة التي حملها الأوربيون والمستعمرون إلى المغرب، كما كانت رقعة جغرافية تجمع جنسيات متعددة وأديانا مختلفة. في هذه السلسلة من الحلقات، تبحر بكم “الصباح” رفقة حسن لعروس، صاحب كتاب “المدينة القديمة بالدار البيضاء…ذاكرة وتراث”، في تاريخ هذه القلعة المحصنة بالأسوار…

الحلقة الأخيرة

دار الضـو…

كل المجتمعات وإلا تجد لديها طرق وتقاليدها في الشجار والمعاركة، كما أن هناك أنواعا من البشر، موزعين بين مؤدبين ومشاغبين، وميسورين وفقراء، وغيرها من الصفات. وأما الحديث عن المدينة القديمة، فيمكن القول إنها كانت تتمتع بالفتوة، إذ كان أغلب الشباب بصحة جيدة، وحينما كانوا يشاهدون فيلما في السينما، من قبيل “الكو بوي”، يؤثر عليهم وحينما يخرجون يكونون مستعدين للقتال ويرغبون في تقليد أبطال الأفلام، في قوتهم وأنفتهم.
قبل تشييد المعرض المعروف بـ “لافوار” الآن قرب مسجد الحسن الثاني، كانت تلك المنطقة عبارة عن أرض قاحلة مليئة بالحفر والأحجار، وكانت حجرة صغيرة حينها بتلك المنطقة،خاصة بالتيار الكهربائي، وكانت تسمى “دار الضو”، وكانت البناية الوحيدة في الخلاء، بالإضافة إلى بعض الأطلال، تشبه تلك الموجودة في وليلي.
كانت “دار الضو” خلاء، وبما أن الشباب كلهم طاقة وفتوة، كانوا كلما وصلوا إلى مستوى من الخصام والسباب، يرغبون في المعاركة واختبار عضلاتهم، لكن كان الناس العقلاء بالمدينة القديمة يمنعونهم من الاشتباك، لأنه من العيب أن يتعارك شخصان أمام الناس، وكان السكان يخجلون من وضع شكاية عند الأمن ضد بعضهم البعض، كما أن المحاكم كانت خالية من المتقاضين، بمعنى أن العنف كان منبوذا، وكان الناس يعيشون في جو من الإخاء والأخلاق.
لكن عندما يتحدى شاب معين غريمه، يردد عبارة مشهورة في أوساط الشباب، “بغيتيني عيط عليا لدار الضو”، وهو المكان المعروف بمشاجرة الشباب، وإذا سانده الغريم ينطلقون إلى المكان، ويكون لدى الخصمين أنصار، من شباب المدينة العتيقة، كل واحد منهم يسير في جماعته الخاصة، وكل واحدة تحرص على تزويد “البطل” بالقدر الكافي من المعلومات القتالية، ويحفزونه مقابل التقليل من قيمة وقدرات الخصم، ويحاولون إبراز نقاط ضعفه.
حينما يصل الوافدان إلى “دار الضو” يشكلان دائرة تحيط بالخصمين من كل جانب، ولا يحق لأي من المشجعين لمس “البطل”، تحسبا لوقوع معركة كبيرة يشارك فيها المتعاركون والأنصار، لكن الجميل في الموضوع أن مجموعة من المتعاركين يعودون إلى بيوتهم في عناق، ومن بينهم من أصبح صديقا حميما لخصمه.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى