fbpx
افتتاحية

“الحكرة”

تشبه عاصمة المال والأعمال الرجل “الأقرع”، حيثما تضربه يسيل دمه غزيرا في الطرقات والشوارع التي تحولت، منذ سنوات، إلى مرتع للفوضى والاحتلال المقيت للملك العمومي، أرضا وجوا، بالعرض والطول، والاغتناء الفاحش لشركات وأشخاص بعينهم على حساب راحة المواطنين وسكينتهم وأمنهم.
ويشعر البيضاويون، في كثير من الأحيان، أن ثمة مؤامرة كبرى تحاك ضدهم، من قبل جهات من المفروض أن تكون في موقع الدفاع عن مصالحهم، ووُجدت في مناصب المسؤولية لتحسين إطار العيش في مدينة لم تبخل عليها الدولة بالإمكانيات المادية والخبرة والاستشارة والدعم اللوجستيكي والتقني، وفوق ذلك بإرادة سياسية معلنة لتحويلها قطبا اقتصاديا ومحطة إقلاع نحو إفريقيا.
فنحن الآن على مشارف 2020، ولم تحسم السلطة المخول لها تدبير شؤون المواطنين في قضايا بسيطة وجزئية لا تتطلب مجهودا كبيرا، بل يمكن أن يوكل أمرها لتقني صغير مبتدئ، ويتعلق الأمر بوضع خارطة للوحات الإشهارية والإعلانات ملائمة ومنسجمة وتراعي التوزيع المجالي، وتتحول إلى قطعة جمالية تؤثث فضاءات المدينة، وليس العكس.
فما يجري اليوم بالمحجات والشوارع الكبرى والمدارات والأزقة يندى له الجبين، ويعتبر وصمة عار في حق المسؤولين والرؤساء، الذين تعاقبوا على المدينة، كما يعتبر احتقارا لجميع البيضاويين الذين أضحوا يعيشون وسط غابة من اللوحات الإشهارية الخادشة للذوق العام وتفتقد إلى الحد الأدنى من الانسجام والمعايير، المعمول بها في أصغر عواصم العالم.
فباسم تنمية الموارد والمداخيل وإيجاد حل للأزمة المالية الخانقة للمدينة، تطلق الجماعة الحضرية أيادي أصحاب الشركات في جميع الفضاءات العمومية وتبيح لها الاحتلال العشوائي للنقاط والزوايا والممرات وزرع الأعمدة واللوحات في أي مكان، دون خارطة معروفة مسبقا، ودون احترام للقياسات والمساحات القانونية بين لوحة وأخرى.
فليس هناك اسم آخر غير “الحكرة”، حين تغرق جميع فضاءات المدينة في فوضى “الإشهارات” التي تدر على أصحابها (معلنون ومكلفون بالإعلان) أموالا سنوية طائلة، بينما يعيش السكان في جحيم البشاعة والاختناق، الذي يصل أوجه، حين توضع لوحات مباشرة أمام أضواء الإشارة تحجب رؤيتها، أو بمحاذاة نوافذ المنازل والشقق، دون أي اعتبار لخصوصيات مواطنين يدفعون ضرائب سنوية من أجل راحتهم.
والمؤلم أن بعض مسؤولي الجماعة الحضرية أحسوا، متأخرين، بالإحراج من هذا الموضوع، وضخوا أموالا كثيرة لمكتب دراسات لوضع مسح خرائطي لجميع أنواع اللوحات الإشهارية وتموقعها وأصحابها ووضعها القانوني ومدى احترامها لدفاتر التحملات والمقررات الجماعية، ورغم ذلك، لم يسفر هذا “العمل” سوى عن مجموعة أوراق وضعت في الرف ولتبقى دار لقمان على حالها.
إن إعادة تأثيث فضاءات اللوحات الإشهارية وضبط معايير وضعها ومساحاتها وجمالية شكلها وذكاء مضمونها، ليسا ترفا أو عملا زائدا، بل من صميم “الذوق” الحضاري لتدبير المدينة.
لكن يبدو أن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه أبدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق