خاص

الحريات الفردية والدين … حدود التماس

ندوة نظمتها حركة ضمير رصدت تحولات الأفراد والجماعات

نظمت حركة ضمير، بشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان والمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، أخيرا، ندوة علمية في موضوع “الحريات الفردية بين التحولات المجتمعية والمرجعية الدينية”، بقاعة المحاضرات بالمكتبة الوطنية بالرباط. وتأتي هذه الندوة العلمية الرابعة ضمن سلسلة ندوات دورية تعقدها الحركة، وتهدف إلى تسليط الضوء على ما يعنى بالحريات الفردية من جهة، ومن جهة أخرى على التحولات السلوكية والقيمية الظاهرة منها وغير المرئية وأثرها على الأفراد والمجموعات، وعلى زاوية النظر الدينية إلى الموضوع في حركيته، وعلى مدى استجابة الترسانة القانونية اليوم لهذه التطورات، بعيدا عن كل تنميط أو تجاهل أو أحكام قيمة. في هذا الخاص اختارت لكم “الصباح” بعضا من المداخلات التي قاربت موضوع الحريات الفردية في علاقتها بالدين من زوايا مختلفة، تحكمت فيها انتماءات المتدخلين وتباين توجهاتهم الأكاديمية والمعرفية.

جبرون: الاندماج في الثقافة الكونية قدرنا

قال الباحث امحمد جبرون إن هناك انطباعا سائدا بأن هناك خصومة وتعارضا بين الإسلام والحريات الفردية، وأن الدين يشكل عائقا أمام التحرر وتحقق هذه الحريات.
ودعا الباحث الجامعي المتخصص في التاريخ والفكر السياسي الإسلامي، إلى إعادة فهم العلاقة الإشكالية بين ثنائية الإسلام والحريات الفردية، خاصة أن ما سماه بالفهوم الدوغمائية والإطلاقية هي المصدر الأساس للأصولية والتطرف بنوعيهما، وأنه من أجل إعادة الفهم يجب الاستناد إلى مرجعية ثقافية مختلفة.
وطرح جبرون مجموعة من الأسئلة التي حاول من خلالها تأمل مفهوم الإسلام وكيف يبدو من الناحية التاريخية والسوسيولوجية.. هل هو ثابت أم متغير؟ وما علاقته بحركة التاريخ هل هناك توافق بينهما أم توتر؟ وهل هناك فعلا طموح ديني للهيمنة على التاريخ؟
وفي هذا السياق قال أستاذ التعليم العالي في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة، “عندما نطرح هذه العلاقة من منظور تاريخي وفي مرآة الزمن يبدو أن الدين يطمح إلى الهيمنة على التاريخ، وفي المقابل، التاريخ بطبيعته المتحولة والدينامية ينزع إلى التخلص من الهيمنة، سواء كانت دينية أو غيرها”، وفي المقابل اعتبر أن المسلمين نجحوا في كل المراحل التاريخية أن ينتجوا تدينهم وفق كل العصور، ويفرزوا أنماطا من التكيف مع حيثيات تاريخية.
وقدم جبرون أمثلة من التاريخ منها اختيار المذهب المالكي في المغرب والأندلس، وقال إن هذا الاختيار لم يكن اعتباطيا، كما أن النزوع إلى التشيع في الشرق ليس مجرد اختيار نظري، بل هو محاولة للتأقلم والتكيف.

وأضاف صاحب كتاب “هدي القرآن في السياسة والحكم” أن ما يميز الإسلام من الناحية التاريخية هو هذه القدرة على التأقلم، والتحدي المطروح أمام الأجيال الحالية هو هل بإمكاننا ابتداع مذهبيات كما فعل الأسلاف تتماشى مع التطورات والتغيرات التي عرفها العالم.
وقدم الباحث المغربي نماذج مغربية اعتبرها مؤشرا على نجاح العقل الاجتهادي والقدرة على التكيف والتأقلم منها الإصلاحات التي عرفتها مدونة الأسرة والسماح للنساء باحتلال منصب “العدول”، و”كل ما يتعلق بحقوق الإنسان”.

واعتبر جبرون خطاب الحريات الفردية “انتصارا لليبرالية” بعد التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، وهي تتمثل على سبيل المثال في النمو الحضاري غير المسبوق واتساع التجمعات الفردانية، حسب قوله
ودعا جبرون إلى إخراج الإسلام من موقعه عقيدة وشريعة إلى عقيدة ومنظومة قيم، معتبرا أن “صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان واستمراره تتعلق بقدرتنا على إعادة تعريفه في كل وقت وحين بما يناسب التاريخ وديناميته” لأن “قدرنا هو الاندماج في الثقافة الكونية”.

صديق: لقد عبثوا بالنص القرآني

توقف المفكر التونسي يوسف صديق في مداخلته التي اختار لها موضوع “ضرورة تفعيل مفهوم الإنسان المغيب في نص القرآن” معتبرا أنه من المفاهيم التي تركت وأهملت في الإسلام. واستحضر الباحث المتخصص في أنثربولوجيا القرآن، مجموعة من السياقات التي ورد فيها ذكر الإنسان في القرآن، منها موقف اعتراض الملائكة على خلافة الإنسان في الأرض، بمعنى يحيل إلى أن البشر كان موجودا إلا أنه كان غير سوي بالمعنى الدارويني للكلمة، وهو ما جعل الملائكة، حسب القصة القرآنية، تكون فكرة مسبقة عن هذا الكائن الذي يريد أن يوكل إليه الله مهمة خلافته في الأرض.
في المقابل تحدث صديق عن المواقف القرآنية التي اعتبرت الإنسان كائنا ضعيفا، واصفا إياها بأنها تنطوي على مواقف وجودية عميقة تعكس الفراغ بين الألوهة والإنسان.

وانتقل صاحب كتاب “لم نقرأ القرآن بعد” إلى الحديث عن النص القرآني معتبرا إياه حدثا صنع التاريخ، لكنه انزاح عن اللحظة التاريخية التي أنتجته، منذ اللحظات الأولى لتاريخ الإسلام، إذ تم العبث بالقرآن بمجرد وفاة النبي محمد الموحى إليه. وأوضح خريج قسم الفلسفة بجامعة السوربون الفرنسية، فكرته قائلا إنه منذ اللحظة التي جمع فيها القرآن بين دفتي المصحف وصار كتابا، تحرر من الطاقة الكبرى التي أحدثته باعتبار الوحي طاقة لتفسير الكون وتغييره. واعتبر المفكر التونسي أن من مظاهر العبث بالنص القرآني، مسألة “‘الناسخ والمنسوخ” التي اعتبرها “اغتصابا” لهذا النص، مقدما المثال بالآيات القرآنية التي يقول البعض إنها قد نُسخت، كآية “لا إكراه في الدين”، مستنكرا أن يقول البعض إنه لا يجوز اعتمادها فيستدلون بدلها بالآية الخامسة من سورة التوبة “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم”، وهي آية يشدد المتحدث على أنه قد تم نزع العامل الظرفي عنها حيث أنها “مرتبطة بمعركة”.

كما أشار صديق إلى التعارض بين الأحاديث النبوية المروية عن البخاري والنص القرآني قائلا “لست ملزما أن أعتقد بحديث أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله”، والذي وصفه بـ”الحديث الداعشي”، متسائلا باستغراب كيف يمكن أن يكون ذلك الحديث لرسول قال آية “لا إكراه في الدين”، وآية “وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون”.
وناقش الأستاذ المتخصص في اليونان القديمة، فكرة “القرآن صالح لكل زمان ومكان” متسائلا كيف يستقيم هذا القول ونحن نجد في بعض الآيات تقنينا للرق والعبودية اللذين تم تجاوزهما، إلا أن يكون الله قادرا على أن يجعلنا نتخطى نصيا ما أوحى إلينا، ولا نتمسك بحرفيته.
ودعا يوسف صديق في المقابل إلى أن نجعل للمعتقد مساحته المستقلة تماما عن التفكير والعقلنة التي تنتمي إلى الإنسانية ككل.

الديالمي: الإمساك الجنسي قبل الزواج غير واقعي

اختار الباحث السوسيولوجي عبد الصمد الديالمي مقاربة موضوع الحريات الفردية من زاوية تتبع تطور العلاقات الجنسية قبل الزواج، وانتقالها من مفهوم “الزنا” إلى “الفساد” ثم إلى “الحرية الجنسية”.
وأوضح أن العلاقة الجنسانية توجد ممزقة بين مرجعية إسلامية، ومرجعية قانونية، ومرجعية حقوقية إنسانية، ليدعو في المقابل إلى إعادة النظر في مجموعة من الفصول في القانون الجنائي المغربي التي تُجرم العلاقات الجنسية الرضائية.

واعتبر صاحب كتاب “المرأة والجنس في المغرب” أن تحريم الزنا ينصب بالأساس على الفتاة العازب وليس الفتى الأعزب، وهو ما أسماه التحريم الجندري حسب نوعية الجنس البشري، مشيرا إلى أن الفتى المسلم له حق إقامة علاقات جنسية “حلال”، بالمعنى الديني، عبر الرق الجنسي مع جارية متأتية من الإرث أو الشراء أو السبي، مشددا على أن القول بالإمساك عن الجنس قبل الزواج غير واقعي، مستندا على بحث ميداني لوزارة الصحة أكد ممارسة 65 بالمائة من الشباب الجنس قبل الزواج.
وتوقف الديالمي عند الفصل 490 من القانون الجنائي معتبرا أنه يحتفظ بالتحريم للجنسانية قبل الزوجية، لكن في المقابل هناك علمنة موضوعية في هذا القانون، من زاوية أنه لا تمييز فيه بين الرجل، كما أنه لا استعمال فيه لمفهوم “الزنا”، كما أن العقوبة فيه ليست هي الجلد ولا الرجم، بمعنى أنه يؤسس لقطيعة مع الشريعة والفقه.
ومن هنا يفسر أستاذ علم الاجتماع بجامعتي محمد بنعبد الله بفاس ومحمد الخامس بالرباط، اعتبار حركات الإسلام السياسي القانون الجنائي ومدونة الأسرة خيانة للشريعة، موضحا أن هناك رفضا لمفهوم الحقوق الجنسية من قبل بعض الفاعلين لضمان أنظمة إسلاموية.

وطالب الديالمي بإخراج زنا المحصن من القانون الجنائي، موضحا أن تأخر القانون عن الواقع يعبر عن بؤس جنسي بالمغرب، مشددا على ضرورة علمنة الجنسانية وإجراء تسوية بين الفاعلين الجنسيين، مع توسيع مفهوم حقوق الإنسان، موضحا أن من شأن ذلك التقدم وامتلاك سلاح لمناهضة الدولة القطرية باعتبارها دولة استبدادية جنسية والانتقال إلى العالمية المفتوحة.
كما اعتبر صاحب كتاب “سوسيولوجيا الجنسانية العربية” أن القول بالإمساك الجنسي قبل الزواج مبدأ لا واقعي، وأن الشباب المغربي في مرحلة انتقال تجاوزت المفاهيم العتيقة والأسباب التي جعلت الإسلام يحرم “الزنا”، داعيا إلى جعل المسألة اختيارية، وأنه لا يمكن للدولة أن تستصدر قوانينها من الدين وتفرضها على غير المسلمين منها، لأنها بهذا تبتعد عن الديمقراطية.
ودعا الباحث السوسيولوجي إلى الاعتراف بالحريات والحقوق الجنسية والتعامل مع المواطن المغربي باعتباره كائنا راشدا، يتحمل اختياراته الجنسية، وأنه ليس من حق الدولة أن تجعلها جنحة.

عصيد: نظامنا التعليمي جعلنا أضحوكة

قال الباحث أحمد عصيد إننا في حاجة إلى ثورة ثقافية تمجد الإنسان ولا تحتقره، وأن تحرير الفرد في المغرب ينطلق من تعليم حر ونظام تربوي يساعد على تأهيله، وتجاوز أعطاب النظام التعليمي في بلادنا الذي جعلنا أضحوكة في العالم.
وتحدث الناشط الحقوقي، عن أن إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية ومنحها طابعا علمانيا، هو المدخل الأساسي لترسيخ قيم الحداثة والمدنية والإيمان بقيمة الحرية.
واستعرض عصيد في مداخلته مختلف أشكال تمثل الحرية لدى فئات عريضة من المغاربة، أو ما سماه “التيار العام في المجتمع” الذي تغذيه وسائل الدولة والنظام التربوي ووسائل الإعلام والمساجد، والذي يربط الحرية دائما بالفوضى والتسيب والإحساس بالذنب.

واعتبر الكاتب والشاعر والباحث في الثقافة الأمازيغية أن الإحساس بالذنب من رواسب الإرث الفقهي والديني، محددا الدين من زاوية نصوصه الخام وأشكال تصريفها، موضحا أنه دائما هناك علاقة بالدين لأنه يوظف في كل مناحي الحياة، وبالتالي فعندما يصير نظاما عاما فإنه يتحول إلى سلطوية ويتم الحجر باسمه على عقول الناس وحرياتهم.

وتطرق صاحب كتاب “أسئلة الهوية والثقافة في المغرب المعاصر” إلى أشكال ومفاهيم الحرية داخل المجتمع المغربي، معتبرا أنه عندما يتم ربط مسألة حرية المعتقد بالآية التي تقول “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” فإن الأمر لا يبدو دقيقا، لأن هناك دائما مفاضلة معيارية بين المؤمن وغير المؤمن، سيما أن العلاقة بين الفرد والدولة في المجتمعات الإسلامية كانت في ما قبل دينية، لذا فإن حد الردة كان يطبق بخلفيات سياسية، لأن تخلي الفرد عن دينه معناه، وفق ذلك التصور، تخل عن الرابطة التي تجمعه بالدولة. وتابع عصيد أنه بعد سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924، لم يسقط معها الإرث الفقهي الذي أنتجته طيلة قرون، بل ظل مستمرا في الدولة الوطنية الحديثة، التي تعيش نوعا من المفارقة بالجمع بين القوانين الوضعية والإرث الفقهي الثقيل، وهو ما يفرز وعيا شقيا ومضطربا في التعاطي مع مسألة الحريات الفردية وغيرها، في الوقت الذي يجب أن تدبر قضاياها بعقلانية.

ويوضح صاحب “رسائل إلى النخبة المغربية” فكرته قائلا إن الأفراد في مجتمعنا استبطنوا النظام الشرعي ورواسب الإرث الفقهي لدرجة أنهم يعتبرون الحرية الفردية فوضى وتجاوزا للضوابط، علما أن مفهوم الحرية المطلقة نفسه مجرد حالة متخيلة قال بها الفلاسفة وربطوها بحالة الطبيعة قبل نشوء الدولة التي يتواضع فيها الأفراد على التنازل على جزء من حريتهم المطلقة من أجل العيش المشترك.
كما استغرب عصيد من ربط الحرية الفردية بالانحلال الخلقي، معتبرا أن هذا الحكم معياري يصدر من قبل أشخاص غير أخلاقيين مستحضرا التقارير الدولية التي صارت تصنف المغرب في صدارة الدول التي يتفشى فيها الغش وعدم الأمانة وآفات أخرى.

إنجاز: عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض