fbpx
ملف الصباح

“بزنس” الأزبال … “الريحة اعطات”

تستفيد منها شبكات غير شرعية للتدوير ومصانع عشوائية ومجموعات بوعارة والحكومة تؤدي الفاتورة

فشلت الحكومة، منذ 2005، في تنزيل نموذج للمطارح العمومية تستوعب آلاف الأطنان من الأزبال المنزلية والمشابهة والنفايات الهامدة ومخلفات الأوراش الصناعية وأراش البناء والنفايات الطبية، التي ترمى كما اتفق في عدد من المزابل، دون حسيب أو رقيب.
فمنذ أكثر من عقد ونصف، مازالت الجماعات الترابية تدمن المقاربة نفسها، أي البحث عن شركة، أو مفوض له، يتكلف بجمع النفايات، ثم طمرها بطرق تقليدية بعشرات الهكتارات بضواحي المدن، وحين تصل هذه المطارح إلى مرحلة الملء النهائي، تبحث الجماعات الأخرى عن أراض جديدة وشركات آخرى تؤدي لها من الخزينة العامة ملايين الدراهم سنويا، لأداء مهام بليدة تخلت عنها مجموعة من الدول (حتى بعض الدول العربية مثل تونس والأردن).
ورغم المشاريع التي روجت لها الحكومة لإعادة هيكلة هذا المرفق العمومي، وإنشاء نماذج لمطارح عمومية بمواصفات خاصة، تحترم من جهة المعايير الدولية في احترام البيئة وتكون حلقة أساسية في الدورة التنمية المستدامة، مازالت دار لقمان على حالها، بل يتفاقم الوضع في أكثر من مدينة.
وفي غياب ذاك، كان طبيعيا أن تظهر فئة من المتحكمين في المزابل العمومية، تحت أسماء ومهن مختلفة، أهمهم المنقبون في الأزبال (بوعارة) الذين يعدون بالآلاف منتشرون في عدد من المدن، ويرتبطون بعلاقات وطيدة مع شبكات تجار الخردة الذين شيدوا مصانع لإعادة التدوير والتثمين المرتبط بدورة الإنتاج والتصدير المدرة لأرباح خيالية.
من يتحكم في نفايات وأزبال المغاربة؟ ولماذا تترك الدولة تدبير هذا القطاع للفوضى رغم الملايير التي يمكن أن تجلب منه سنويا؟ وأين وصلت مشاريع تدوير النفايات والتثمين واستخراج الطاقة والغاز؟ ولماذا تتلكأ الحكومات المتعاقبة في هذه المشاريع ولفائدة من؟ لماذا يستمر المغاربة (عبر الخزينة العامة) في دفع فاتورة جمع وتجميع الأزبال، رغم أن دولا حسمت في الموضوع منذ سنوات؟ (90 مليارا سنويا مثلا في البيضاء).
ويقربنا الملف التالي من رهانات قطاع واعد فشلت الحكومة في تدبيره، رغم الاستثمار الباهظ المخصص له (حوالي 40 مليار درهم مقسمة على 15 سنة)، كما نرصد حركة عدد من المطارح العمومية الكبرى، ونستمع إلى رأي كاتبة الدولة المكلفة، وفاعل جمعوي.
يوسف السكت

“زبالة ميريكان”… جنة “البوعارة”
حكايات البيضاويين مع أقدم مزبلة بسيدي مومن استعصى على المسؤولين التخلص منها
تجمع المغرب والولايات المتحدة الأمريكية علاقات دبلوماسية تمتد إلى قرون خلت، وتبادل تجاري مهم، وتهافت الشباب للفوز بقرعة بلاد العم سام السنوية، وأيضا “زبالة ميريكان” بالبيضاء.. تلك الربوة التي أسرت “البوعارة”، وأغضبت البيضاويين سنينا طويلة.
اختفت “زبالة ميريكان”، وربما لن يُقدر سكان البيضاء الجدد مكانتها وسحرها الذي جذب الأطفال للبحث عما غلا ثمنه، والتباهي به أمام أقرانه… إنها مطرح للنفايات لا مثيل له.
“زبالة ميركان” العريقة، ليست مديونة، كما يردد المهتمون بالبيئة، فهي تقع في حي سيدي مومن في منطقة لا تبعد كثيرا عن مقاطعة الجماعة، وهي تلة صغيرة أغلب مكوناتها من النفايات المتراكمة، حتى ولو نبتت فوقها، الآن، شجيرات صغيرة تخفي تاريخا طويلا للتعايش مع النفايات. لكن لم أطلق البيضاويون اسم أمريكا على مزبلة؟
لا أحد يملك الجواب، وإن تعددت التأويلات والأساطير، فهناك من يتحدث عن أن منطقة سيدي مومن كان يستقر بها أمريكيون، كانوا يتخلصون من نفاياتهم بها، وآخرون يتحدثون عن “مؤامرة” أمريكية لتلويث المنطقة، وتسميم سكانها… وغيرها من الشائعات.
نبتت شجيرات فوق “زبالة ميريكان”، وطمرت حفر تعود إلى سنوات عديدة، واختفت الأزبال، ولم تبق إلا كلاب ضالة تحيط بها، وتنبح ربما عن ماضيها العريق، فالمزبلة كانت جنة “البوعارة”، وتشد إليها الأطفال الباحثين عن نفائس الأمريكيين، مثل كابلات النحاس يتم بيعها بثمن زهيد، أو أحجار كلسية تخلصت منها معامل الأحجار، فتلقفتها أيادي الأطفال لصنع تماثيل منها.
كانت الأمهات يتوجسن من خطر “زبالة ميريكان”، ويحذرن فلذات أكبادهن من المنحرفين، ولأن سحرها لا يقاوم، فإنهم كانوا يشكلون ميليشيات للتوجه إليها، وتحدي كل من يحاول منعهم من الاستمتاع بنفائسها، تماما كما كانت تستقطب أسراب النوارس البيضاء، وقطعان الماشية والكلاب ومختلف أنواع الدواب، فتبدو مثل محمية طبيعية يتعايش فيها الحيوان والإنسان الذين يتناوبون على “مائدتها”… و”كلها ورزقو”.
فجأة اختفى المنحرفون و”الميخالة” وقلت الكلاب الضالة والأبقار، وظهرت حديقة صغيرة، بعد سريان اتفاقية بين جماعة البيضاء والوزارة المنتدبة المكلفة بالبيئة لتهيئة الفضاء وجعله حديقة بغرس مجموعة من الأشجار على مساحة حوالي 80 هكتارا، وسمع السكان وعود المسؤولين بجعل المزبلة فضاء ومتنفسا لحي يعرف اكتظاظا وكثرة دور الصفيح وقلة المساحات الخضراء.
أغلقت “زبالة ميريكان”، لكن لعنتها مست “الاتفاقية”، ولم تشيد الحديقة، بالطريقة التي خطط لها، ولم يقصدها سكان سيدي مومن والمناطق المجاورة، للتنزه والاستمتاع بخضرة الأشجار المستحدثة، خاصة أن
المسؤولين عمدوا إلى كسو سطح المزبلة بالتراب، ودكه، ثم غرس بضع شجيرات على الواجهة المطلة على الطريق الرئيسية، دون التخلص من الأزبال المطمرة، ما أدى إلى تكاثر الحشرات بالمنطقة، التي تهاجم المنازل المُطلة على المطرح، في صيف كل سنة، لتذكرهم أن شعب “الميريكان” الأقوى في العالم وأشد تعنتا، حتى ولو تعلق الأمر بمزبلتهم.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى