fbpx
بانوراما

“القلب يعشق كل جميل” ترنيمة العشق الإلهي

الأغنية الدينية… قصص وكواليس (الأخيرة)
يحتل الغناء الديني مكانة هامة في حياة الإنسان، ويكون له تأثيره البالغ في لحظات الصفاء النفسي والسمو الروحي التي تنتاب الإنسان في حياته. واتخذ هذا النوع من الغناء، الذي يعتبره المؤرخون أصل الطرب العربي، أشكالاَ متعددة تؤدى في المناسبات المختلفة وتتنوع صوره وأنماطه، فمنها المدائح النبوية، والمواويل الدينية، والقصص الشعبي الديني، للمناسبات المختلفة والتواشيح الدينية، وأناشيد صلاة العيدين. عبر هذه الحلقات تستعيد “الصباح” أشهر حكايات الأغاني الدينية التي ميزت تاريخ الأغنية العربية خلال الفترة الحديثة والمعاصرة، كما تستحضر جانبا من كواليسها و”أسباب نزولها”.
عزيز المجدوب
تظل أغنية “القلب يعشق كل جميل” التي كتبها الشاعر الغنائي الراحل بيرم التونسي، ووقع لحنها الموسيقار الراحل رياض السنباطي، من روائع الراحلة أم كلثوم التي استعادت بها وهجها الفني، وهي على أهبة الرحيل منتصف السبعينات.
ربما لا يعرف كثيرون أن الموسيقار زكريا أحمد غنى ولحن “القلب يعشق كل جميل”، في الأربعينيات، ولم يحظ وقتها اللحن بالانتشار وكذلك الأغنية نفسها، حتى غنتها أم كلثوم مطلع السبعينيات بلحن الموسيقار رياض السنباطي، وظل لحن السنباطى هو الأكثر جمالا وروعة.. إذ وضع لحنا خالدا لكل الأوقات، وليس لزمن أو فترة معينة، بل صنعه للمستقبل الذى لن يأتي أبدا لحنا شبيهًا بالابتهالات الدينية، به خليط من الروحانيات، ومزج فيه بين الفرح والشجن والمحبة الآلهية، وطوال الأغنية يؤكد على هذه الجمل اللحنية البديعة، لذلك رسخت في أذن المستمع للأبد.
لحن “القلب يعشق كل جميل” كان تحديا لرياض السنباطي، إذ كان يمثل عودته من جديد للست بعد فترة غياب كانت تتعاون فيها مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب في أغنيات “إنت عمرى” و”أمل حياتي”، و”هذه ليلتي” وغيرها، لذا وكما يقولون “أخذته الجلالة” ووضع لحنا مختلفا في التكوين والشكل والإيقاع.
ويحكي الكاتب المصري مصطفى الضمراني أن الموسيقار الراحل كان متأثراً عند تلحينها شوقاً ولهفة إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، ووصف حالة السنباطي قائلاً: “بعد منتصف الليل سمعت السيدة كوكب عبدالبر (زوجة الموسيقار) صوته وهو يدندن على العود في قمة التأثر، وكاد يبكي من شدة تأثره وانفعاله بكلمات الأغنية، فطرقت باب صومعته مستأذنة إياه بالدخول وجلست إلى جواره تسأله ماذا بك يا رياض حتى تتأثر إلى هذا الحد؟ وما هي تلك الكلمات التي جعلتك تعيش كل هذا التأثر؟”.
وتابع الضمراني: “ولم تبرح مكانها إلا بعد أن سمعته يغني بصوته على العود (دعاني لبيته لحد باب بيته.. ولما تجلى لي.. بالدمع ناجيته) وسعدت زوجته بهذا اللحن الديني وأمسكت بالنص المكتوب ليتبين لها أن هذه الأغنية كتبها الشاعر الكبير أبوالعامية محمود بيرم التونسي”، وهذه الأغنية تم تسجيلها عام 1971 أي بعد وفاة شاعرها بحوالي عشر سنوات، وحقق بعد طرحها الملحن رياض السنباطي أمنيته بالحج وزيارة المدينة المنورة.
وما أضفى للحن جمالا طريقة أداء أم كلثوم، وعذوبة الكلمات التي تقطر حبا ومصالحة مع النفس حتى تخيل كاتبها بيرم التونسي أنه في الجنة :”القلب يعشق كل جميل/ وياما شفت جمال يا عين/ واللي صدق في الحب قليل/ وإن دام يدوم يوم ولا يومين/ واللي هويته اليوم/ دايم وصاله دوم/ لا يعاتب اللي يتوب ولا في طبعه الـلوم/ واحد مفيش غيره ملا الوجود نوره/ دعاني لبيته لحد باب بيته/ وأمـّا تجلالي بالدمع ناجيته”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى