fbpx
بانوراما

“إني ببابك” … لقاء الشيخ الصوفي والموسيقار البوهيمي

الأغنية الدينية… قصص وكواليس 5

يحتل الغناء الديني مكانة هامة في حياة الإنسان، ويكون له تأثيره البالغ في لحظات الصفاء النفسي والسمو الروحي التي تنتاب الإنسان في حياته.  واتخذ هذا النوع من الغناء، الذي يعتبره المؤرخون أصل الطرب العربي،  أشكالاَ متعددة تؤدى في المناسبات المختلفة وتتنوع صوره وأنماطه، فمنها المدائح النبوية، والمواويل الدينية، والقصص الشعبي الديني، للمناسبات المختلفة والتواشيح الدينية، وأناشيد صلاة العيدين. عبر هذه الحلقات تستعيد “الصباح” أشهر حكايات الأغاني الدينية التي ميزت تاريخ الأغنية  العربية خلال الفترة الحديثة والمعاصرة، كما تستحضر جانبا من كواليسها و”أسباب نزولها”.

عزيز  المجدوب

“مولاي إني ببابك قد بسطت يدي/ من لي ألوذ به إلا ك يا سندي/ أقوم بالليل والأسحار ساهية/ أدعو وخمس دعائي بالدموع ندي/ بنور وجهك إني عائذ وجل…”  بهذا المطلع الشعري الذي خطه الشاعر الغنائي عبد الفتاح مصطفى انطلق صوت المنشد والشيخ سيد النقشبندي صادحا بأنغام الموسيقار البوهيمي بليغ حمدي في لقاء فني لم يكن يتوقع أحد لتظل أعمالهما المشتركة عنوانا لشهر الصيام
ويعود الفضل في هذا التعاون والالتقاء بين العبقريتين النقشبندي وبليغ إلى الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي بدأت علاقته في وقت مبكر مع الشيخ سيد النقشبندي، حين كان رئيسا لمجلس الأمة وقبل أن يصبح رئيسا للجمهورية عن طريق الدكتور محمود جامع أحد أصدقاء السادات المقربين..
كان السادات عاشقا للإنشاد الديني، وكان النقشبندي اكتسب شهرة واسعة في سوهاج حيث عاشت أسرته، وفى طنطا التي انتقل إليها بعد رؤية رأى فيها السيد البدوي يناديه، فشد الرحال إلى جواره ولم يفارقه حتى بعد أن ملأ صوته الآفاق.

زادت شهرة النقشبندي بعد إحيائه عدة ليال في الحسين بالقاهرة، حتى استمع إليه الإذاعي أحمد فراج، وكان أول دخول للنقشبندي للإذاعة المصرية عام 1967 ليسجل ابتهالات وأدعية دينية تبث بعد أذان المغرب فى رمضان، ويسجل عددا من البرامج، ليظل اسم النقشبندي وصوته مرتبطين ارتباطا وثيقا بشهر رمضان.
ولما كان الإنشاد الديني فقرة أساسية يفتتح بها السادات كل احتفالاته قبل توليه الرئاسة، كان النقشبندي حاضرا في كل هذه الاحتفالات، وكذلك بعد أن أصبح السادات رئيسا.
في 1972 كان السادات يحتفل بخطبة إحدى بناته في القناطر الخيرية، وكان النقشبندي موجودا في الاحتفال، حيث كانت له فقرة رئيسية في الاحتفال الذى كان يحضره الملحن بليغ حمدي.

النقشبندي يخلع العمامة

يحكي الإذاعي المصري الراحل وجدي الحكيم عن هذه الواقعة، قائلا:” إن السادات قال لبليغ حمدي: ” أريد أن أسمعك مع النقشبندي “، وكلف الحكيم بفتح استوديو الإذاعة لهما، وعندما سمع النقشبندي ذلك وافق محرجا وتحدث مع الحكيم بعدها قائلا: “ماينفعش أنشد على ألحان بليغ الراقصة”، حيث كان النقشبندي قد تعود على الابتهال بما يعرفه من المقامات الموسيقية، دون أن يكون هناك ملحن، وكان فى اعتقاد الشيخ أن اللحن سيفسد حالة الخشوع التي تصاحب الابتهال، ولذلك كان رد الشيخ: على آخر الزمن يا وجدي “ها غنى”؟ في إشارة إلى أن الابتهال الملحن يجعل من الأنشودة الدينية أغنية.

طلب الشيخ الجليل من الحكيم الاعتذار لبليغ، ولكن استطاع الحكيم أن يقنعه بأن يستمع إلى ألحان بليغ، واصطحبه إلى استوديو الإذاعة واتفق معه على أن يتركه مع بليغ لمدة نصف ساعة وأن تكون بينهما إشارة يعرف منها الحكيم إن كانت ألحان بليغ أعجبت النقشبندي أم لا.

يقول الحكيم: ” اتفقنا أن أدخل عليهما بعد نصف ساعة فإذا وجدت النقشبندي خلع عمامته فإن هذا يعنى أنه أعجب بألحان بليغ وإن وجدته ما زال يرتديها فيعنى ذلك أنها لم تعجبه وأتحجج بأن هناك عطلا في الاستوديو لأنهي اللقاء ونفكر بعدها في كيفية الاعتذار لبليغ.، ويضحك وجدي الحكيم قائلا: دخلت فإذا بالنقشبندي قد خلع العمامة والجبة والقفطان. وقال لي: ” يا وجدى بليغ ده جن”.

وفى هذا اللقاء انتهى بليغ من تلحين “مولاي إني ببابك” التي كانت بداية التعاون بين بليغ والنقشبندي، أسفر بعد ذلك عن أعمال وابتهالات عديدة هي: “أشرق المعصوم”، و”اقول أمتى، و”أي سلوى وعزاء”، و”أنغام الروح”، و”رباه يا من أناجي”، و”ربنا إنا جنودك”، ويارب أنا أمة”، و”يا ليلة في الدهر” و “ليلة القدر”، و”دار الأرقم”، و”إخوة الحق”، و”أيها الساهر”، “ذكرى بدر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى