fbpx
ملف الصباح

“المـال السايـب كيعـلم السـرقـة”

التقارير تتراكم بقدر تراكم أموال الشعب في البنوك الخارجية والمتابعات القضائية أشبه بالمسرحيات الهزلية

إنه فقط مثل دارج، لكنه يكتنف بين طياته الكثير من العبر والمغازي. أول هذه العبر أنه يشير تصريحا وتلميحا إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي لم يدخل القاموس السياسي في بلادنا إلا بعد تعديل الوثيقة الدستورية وبعد أن سقطت عدة أنظمة سياسية في بلدان الجوار، حيث كانت تستشري جرائم الفساد المالي، إلى درجة أن معظم ثروات بلد صغير مثل تونس أو فقير مثل مصر أو مُفقر مثل ليبيا كانت تجد طريقها إلى جيوب المسؤولين ومنها إلى البنوك السويسرية أو البلجيكية أو بنوك جمهورية ليشتنشتاين، أو حتى البنوك الفرنسية… عوض أن تستثمر في توسيع شبكة البنيات التحتية، وتشييد المستشفيات وبناء المدارس والمؤسسات الجامعية، والاستثمار في مشاريع من شأنها خلق الثروة وتوفير فرص الشغل.
العبرة الثانية تكمن في أن غياب التتبع والمراقبة على أموال الشعب هو ما أفرز ظواهر الاختلاس والنهب واسعة النطاق التي تتعرض لها أموال المغاربة منذ عقود. فبقدر ما تتراكم أموالنا في حساباتهم السرية خارج حدود المملكة، وأحيانا داخلها، تتراكم القضايا وملفات الاختلاس في ردهات المحاكم، لكن دون فائدة طالما أن الوقائع نفسها مازلنا نطالعها وبتفاصيل أكثر إثارة في ملفات شبيهة لا تختلف في قيمة “المسروق” و/ أو المؤسسة العمومية التي تعرضت ميزانيتها للاختلاس.
المجلس الأعلى للحسابات، الذي صار بموجب الدستور المعدل مؤسسة مستقلة قائمة الذات ومنه تستمد شرعيتها، ظل، منذ ثمانينات القرن الماضي، يؤلف تقارير سنوية يرصد فيها، غالبا، كل شاردة وواردة عن الجهات والأيادي التي تعيث اختلاسا ونهبا وسوء تدبير لميزانيات شركات عمومية أو شبه عمومية ومؤسسات دولة وبنوك من المفروض أنها مستأمنة على أموال المواطن الذي هو أيضا دافع للضرائب، لكن معظم مضامينها (التقارير) تظل حبرا على الأوراق التي دُبجت فوقها… ومن باب ذر الرماد في العيون يتم تحريك متابعة قضائية أقرب إلى المسرحية الهزلية منها إلى إرادة قوية ونية حسنة في الضرب على أيدي من سولت لهم أنفسهم العبث بأموالنا، ومن خلالهم، إعطاء العبرة بأن للمال العام ربا يحميه.
وحتى بعد خروج القانون المتعلق بمدونة المحاكم المالية، التي منحت للمجلس الأعلى للحسابات صلاحيات واسعة في مراقبة مالية المؤسسات والأجهزة العمومية، ظل المجلس وقضاته وكأنهم يحاربون طواحين هواء أو يطاردون سرابا غير مدروك. فعلا، فتقارير هذه المؤسسة، ورغم أن غالبية ما ترصده يذهب أدراج الرياح، تثير جدلا على صفحات الجرائد وأحيانا في قبتي البرلمان، لكننا نسمع جعجعة تصم الآذان لكن لا نرى أي أثر لطحين هذه الجلبة التي تعمد جهات كثيرة إلى تحريفها عن مسارها القضائي والقانوني الصرف إلى سلاح لتصفية حسابات سياسية.
على مستوى الجهاز القضائي يدور النقاش حول ضرورة إحداث قضاء متخصص في الجرائم المالية، ذلك أن رجال السلطة القضائية يعتبرون أن هذا النوع من الجرائم معقد ومركب، وتفتح باب الشك حول مدى ضلوع المتهم في الجرم أم لا، وفي أعراف أهل القضاء فالشك يُفسر لصالح المتهم، وبالتالي فتح الباب أمام إمكانية إفلات “الجناة” من العقاب، ولذلك ففي رأيهم يعتبر إحداث قضاء متخصص في الجرائم المالية ضرورة ملحة للقطع مع هذه الظاهرة.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى