fbpx
بانوراما

الرسول الإنسان … “إلا الإذخــــــر”

الرسول الإنسان (الحلقة ماقبل الأخيرة)

يحاجج عدد من الناس بأحاديث نبوية في قضايا معاصرة مرتبطة بشؤون دنيوية، ويعتبرونها تعاليم دينية يجب التقيد بها ولا يحق لمؤمن ومسلم مخالفتها، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى “وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى”.لكن هناك مجموعة من الأحداث تؤكد أن العصمة تهم ما أمر بتبليغه من وحي في شؤون العقيدة والشريعة، لكن اصطفاءه لتبليغ الرسالة لا يخرجه من طبيعة الإنسان، الذي يجتهد، فيصيب في بعض آرائه ويجانب الصواب في أخرى، كما توضحه مجموعة من الوقائع.

يستشهد عدد من الناس بأحاديث عن النبي صلى الله عليها وسلم دون أن يعلموا سياقها ويأخذونها على أنها أمر مطلق منه، في حين أن هناك أحاديث صحيحة صدرت بروايات متعددة  تدخل في إطار اجتهادات الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إن الله حرم مكة لا يعضد شجرها”، أي لا يقطع شجرها. وفي رواية أخرى “وهذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه…” فقال العباس بن عبد المطلب، عم الرسول، يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال صلى الله عليه وسلم “إلا الإذخر”، وهو نبات معروف عند أهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسددون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه في الوقود.

وهكذا نجد أن المنع كان عاما من الرسول صلى الله عليه وسلم لو لم يتدخل العباس رضي الله عنه ليطلب منه صلوات الله وسلامه عليه ليستثني الإذخر. ويعلق المفسرون على هذا الحديث أنه يدل أن الرسول عندما بين له العباس الحاجة إلى الإذخر  أجازه بالاجتهاد للمصلحة.
ويقول الطبري في تفسير هذا الحديث أنه طلب العباس الاستثناء بعدما احتمل عنده أن تحريم مكة تحريم قتال وليس ما ذكر من تحريم عضد الشجر، الذي اعتقد أنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء “الإذخر”.

فالرسول صلى الله عليه وسلم حرم باجتهاده في صيغة العموم قطع “الإذخر”، ثم عدل عن تحريمه إلى إباحته عندما تكشفت له الحاجة إليه.
وهكذا جاز للعباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه أن يناقش رسول الله في أمر جاء بصيغة العموم، بعدما تبين له أن الأمر لا يتعلق بتحريم إلهي، بل من اجتهادات الرسول، فطلب استثناء “الإذخر”، الذي كان يستعمله أهل مكة في كثير من الأغراض، ولما تبينت  للرسول صلى الله عليه وسلم المصلحة العامة، رجع عن صيغة التعميم واستثنى هذا العشب.

> هكذا، فإن العباس رضي الله عنه اجتهد وأبدى رأيه طالبا من رسول الله أن يستثني العشب الذي لا يمكن لأهل مكة الاستغناء عنه، فما كان للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن رخص بقطعه عندما أقر الاستثناء. فلو لم يطلب العباس رضي الله عنه الاستثناء لتم تعميم التحريم، لأن الحديث جاء في صيغة المطلق.
وكان هذا الحديث مصدر إلهام بالنسبة إلى عدد من الفقهاء من أجل قياسه على قضايا أخرى واستنباط الحكم، إذ أن الاستثناء جاء بعدما تبين أن في تعميم التحريم إضرارا بمصالح الناس.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق