fbpx
بانوراما

الرسول الإنسان … “مرحبا بمن عاتبني فيه ربي”

الرسول الإنسان 4

يحاجج عدد من الناس بأحاديث نبوية في قضايا معاصرة مرتبطة بشؤون دنيوية، ويعتبرونها تعاليم دينية يجب التقيد بها ولا يحق لمؤمن ومسلم مخالفتها، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى “وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى”.لكن هناك مجموعة من الأحداث تؤكد أن العصمة تهم ما أمر بتبليغه من وحي في شؤون العقيدة والشريعة، لكن اصطفاءه لتبليغ الرسالة لا يخرجه من طبيعة الإنسان، الذي يجتهد، فيصيب في بعض آرائه ويجانب الصواب في أخرى، كما توضحه مجموعة من الوقائع.

تمثل سورة “عبس”، وهي السورة الثمانون من القرآن الكريم، إحدى صور اجتهادات الرسول صلى الله عليها وسلم، التي لم يوافقه الله فيها، فأنزل وحيا. وتتعلق الآيات الأولى من السورة التي تصل آياتها 42 آية، بحادثة وقعت لرسول الله وعبد الله بن أم مكتوم رضي الله، وهو رجل أعمى.
ويروي المفسرون في أسباب نزول هذه الآيات أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في حوار مع صناديد قريش من أجل حثهم على ترك عبادة الأوثان والدخول في الإسلام، لأن همه صلوات الله وسلامه عليه هو دعوة الناس جميعا، عملا بقول الله تعالى «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا»، لذا لم يكن يكل من محاورة كفار قريش لإقناعهم بصدق رسالته وتجنيبهم ما ينتظرهم من عذاب إذا هم ماتوا على الشرك.
وكان في أحد الأيام يحاور وجهاء من قريش عله ينجح في إقناعهم بالإسلام  رجاء في أن يسلم بإسلامهم غيرهم، خاصة وإنهم من وجهاء وصناديد قريش، فأتاه عبد الله بن أم مكتوم وقال له “أرشدني وعلمني مما علمك الله”، ولم يلتفت إليه الرسول، اجتهادا منه، بعدم قطع حديثه لكي لا ينصرف من كان يحدثهم وفضل ألا يجيبه إلا بعد الانتهاء من مجادلة كبار قريش.
لكن بن أم مكتوم كان ضريرا ولم يكن بإمكانه ملاحظة انزعاج الرسول صلى الله عليه من مقاطعته له الكلام مع من كان يتحدث معهم، فكرر طلبه ثلاث مرات، فكره رسول الله قطع عبد الله بن أم مكتوم لكلامه فأعرض عنه.
ولم ينتظر الأمر كثيرا حتى نزل الوحي « عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة».
وروى  الترمذي في جامعه ومالك في موطئه وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت «أنزلت «عبس وتولى» في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول يارسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول أترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، ففي هذا أنزل.

> مما لا شك فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصف بكل الصفات الكريمة التي تنزهه عن النقص في ما يتعلق بالرسالة التي بعثه الله بها، إذ يتصف بالعصمة في التبليغ عن أمور الدين، لكنه في ما عدا ذلك، فإنه بشر يمكن أن يخطئ في بعض الأمور البسيطة والهينة، التي لا تنم عن أي نقص فيه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم، بعد نزول “عبس”، إذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول” مرحبا بمن عاتبني فيه ربي” ويقول” هل من حاجة ” ؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى