fbpx
ملف الصباح

عقـدة الفقـر

ثلاثة مفاتيح توحد حياة مصطفى وعمر وعزيز، فقرهم وانتماؤهم إلى حي شعبي بالبيضاء، ومعاناتهم في المقاطعات الإدارية والمستشفى.
لم تفارق مصطفى عقدة الفقر طيلة حياته، ويلخصها في النظرة الدونية داخل الإدارات العمومية، وله في ذلك حكمة، ربما قرأها في كتاب ما، وتقول:” من الممكن جدا أن تقل درجة الفقر في بلد ما، لكن تزداد في الوقت نفسه حدة الشعور بالحرمان، وعاد أن يصبح الناس أقل فقرا، لكن أشد المعاناة أن تستمر في الشعور به رغم غناك”.
يبدو مصطفى أمام أصدقائه مختلفا، فهو منهك القوى، وشارد وشديد التوتر، وفقد كل المناعة التي تحصنه من الشعور بالفقر، وغابت شخصيته القوية التي طالما أبهرت أصدقاءه.
إن سألت الأصدقاء الثلاثة عن أحب الأشياء إلى قلوبهم، سيجيبون بدون تردد إنهم “يتمنون أن تصان كرامتهم”… فقد بلغوا مرحلة الإحساس ب”الحكرة”، والسنوات الطويلة في الحي نفسه ومعاناتهم معها بالإدارات العمومية جعلت إحساس التهميش لا يفارقهم.
تبتدئ قصة الأصدقاء الثلاثة، كما اعتادوا سردها، وشعورهم ب”الحكرة”، في فترة شبابهم وعطالتهم الدائمة، إذ غادروا الدراسة مبكرا، وعجزوا عن الحصول على عمل دائم، ولم يشتغلوا إلا لماما، كما فشلوا في “الحريك”، بعد أن سلبهم كل ما ادخروه من مال.
مرت سنوات شبابهم بشكل عاد، ثم فجأة تزوج الأصدقاء، إذ قرروا بناء عش الزوجية، حينها بدأت المشاكل المالية تتوالى بشكل كبير، وتخلوا عن هدوئهم، وغابت ملامح أوجههم البشوشة التي طالما كانت تزيل كل الحواجز أمامهم، واختفت النكتة من أحاديثهم، وفي المرات القليلة التي يضحكون فيها يتفادون السخرية، حتى لا يسقطون في المحظور.
لم يكد الآباء ينعمون بقليل من الهدوء، حتى بدأت مشاكلهم التي يلخصون أغلبها في “البيروقراطية الإدارية”، فقد عانى أغلبهم من صعوبة الاستفادة من الخدمات الصحية، ويحكي مصطفى عن واقعة غريبة حين رفض ممرضة استقبال زوجته بدعوى أن موعد وضعها لم يحن بعد، ما جعله يثور ويرفض عودتها، مهددا بأن يتركها أمام باب المستشفى، وكاد أن يدخل في شجار مع حراس الأمن الخاص، قبل يسمح لها بالدخول.
ويكمل صديقه عمر حكايته مع الإدارة العمومية، فبعد الولادة تبدأ مشاكل الوثائق الإدارية أو ما اصطلح عليه “سير وأجي”، واستخفاف بعض الموظفين بالمواطنين وسوء الاستقبال وتردي الخدمات الإدارية، في حين يركز صديقهما عزيز على الإحساس بالمرارة حين ولج ابنه لأول مرة المدرسة العمومية، حيث انتبه إلى لامبالاة المعلمين والطاقم الإداري.
تلخص حكاية الأصدقاء الثلاثة معاناة أغلب المغاربة، إذ يجمعون أن سنوات ضوئية تفصل الإدارة العمومية عن اللحاق بمثيلتها في أوربا، ولهذا يتمنون توفير خدمات تليق بكرامتهم وإنسانيتهم.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى