fbpx
منبر

الفطـرة أقـوى مـن التشـدد

ابن الأزرق الأنجري قال إن أدلة محرمي الموسيقى ضعيفة لا تقنع الصبيان

أعادت الفقرة الفنية التي تجاورفيها الأذان الإسلامي مع الترانيم المسيحية واليهودية، التي قدمت أماما بابا الفاتيكان خلال زيارته الأخيرة للمغرب، إلى الواجهة قضية الموسيقى والغناء في الإسلام وحكم الفقهاء بشأنهما. في هذا الحوار يناقش الشيخ محمد ابن الأزرق الأنجري الموضوع من زاوية دينية كما يستعرض العديد من الأدلة التي استند عليها في إصداره فتوى تبيح الغناء والموسيقى وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار.

< على هامش النقاش الذي أثير على خلفية الحفل الفني الذي تجاور فيه الأذان والترانيم الدينية المسيحية واليهودية.. ما الذي يمكن أن تقول في هذا السياق؟
< بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الاستنكاري، بخصوص اللوحة الفنية الغنائية الجامعة بين الإنشاد الديني وصلوات الكنيسة وترانيمها، علامة شر !
لا يزال هذا الاتحاد مشدودا بقوة للفكر الناتج عن الحروب الصليبية وما بعدها !
لماذا لم يستنكر دخول النيوزيلنديين رجالا ونساء شبه " عراة " للمساجد إن كان يستقبح ذاك الحفل الغنائي المقام بمدرسة لتكوين الأئمة !؟
أم أن " للإسلام السياسي " المعارض للأنظمة يدا وأثرا في ذاك البيان !؟
فقد جرت عادة معارضي الأنظمة على انتقاد أي شيء يصدر عنها ولو بالكذب على الدين، فحين يدخل النيوزيلنديون المساجد تضامنا مع المسلمين، ويرفع الأذان في البرلمان ، فالصمت والرضا هما سلوك الاتحاد الانتهازي !
وحين يمتزج الإنشاد بالترانيم في مدرسة لا مسجد ، فالاتحاد يغار على الدين وينتصر للعقيدة! فهل يرجى خير من هيأة انتهازية باسم الدين !؟
أعرف أن كثيرا من أعضاء الاتحاد لم يستشاروا قبل إصدار البيان، وأنهم لا يرضون الانتهازية المقيتة، وأنهم لا يمانعون فيما نتحدث بخصوصه، لكنهم لا يملكون قدرة على عرقلة الانتهازيين !!!

< هناك من يعتبر أن مسألة الموسيقى والغناء من القضايا الخلافية في الإسلام والتي تتأرجح بين التحريم والإباحة، ما سبب الغموض والتضارب الذي يلف هذا الموضوع؟
< يرجع السبب في ذلك إلى عدم اكتفاء المسلمين بالقرآن الكريم الذي أحل الطيبات وأباح الملذات، إلا ما استثناه الله بنفسه.
فلما هجر المسلمون القرآن، واعتمدوا على الأحاديث المنسوبة للنبي عليه السلام، وجدوها متناقضة مضطربة بفعل الأكاذيب والتحريفات. فهناك أحاديث يحتج بها المحرمون المتشددون، وهناك أحاديث يستند إليها المتسامحون المبيحون، والكلّ يعتقد نفسه الممثل الصادق المخلص !
وأشير إلى مسألة أخرى وهي أن أدلة المحرمين لا تنفع شيئا، فهي قسمان: قسم ضعيف أو موضوع، وقسم صحيح لكنه بعيد عن محل النزاع لأنه ينهى عن الغناء الفاحش الماجن أو الغناء الشركي.
والواقع أن أدلة الإباحة غالبها مخرج في الكتب الصحاح، أما أدلة التحريم فسائرها من المصنفات المتساهلة في الأسانيد.
كما أن الغناء في المناسبات وغيرها، كان محل قبول في أيام الصحابة وكبار التابعين، فإنه لم يثبت عن أحد منهم ما يدل على منعه، بل وصلتنا عنهم أخبار صحيحة تقطع بالإباحة.
وإنما ظهر الخلاف حول الغناء في عصر أتباع التابعين، وكان ذلك نتيجة الجهل بأدلة الجواز، أو سدا للذرائع، فإن بعض الأئمة، رأوا شيوع غناء المجون، وتكاثر المخنثين، فأفتوا بحظر الغناء وآلاته حماية للمجتمع من الانحلال، حسب اجتهادهم القاصر.
وجواز الغناء بالدف في الأفراح، مذهب جماهير الفقهاء من جميع المذاهب، وإنما الخلاف القوي في غير مناسبات السرور، وهذه مسألة لا ينتبه لها الذين يتصدون للتحريم، فتراهم ينسبون إلى الأئمة التحريم المطلق، وهم مدلسون أو كاذبون أو جاهلون مقلدون.

< المستفاد من دفوعات المحرمين أن الموسيقى وآلاتها حرام في ذاتها وليس فقط بسبب مضمون الكلام المغنى؟
< لا تحريم خارج النص القرآني، فالله وحده الذي يملك حق التحريم، بعدما أعلن في كتابه أنه يبيح كل الطيبات والملذات ومتع الحياة.
ونحن إذا سألنا المتشددين عن علّة تحريم آلات الموسيقى والطرب في ذاتها، عجزوا عن الإتيان بعلة معقولة يصدقها الصبي قبل الراشد . بل أنه لم يصح عن أحد من الأئمة الأربعة نص بتحريم الغناء الخالي من الكلام الفاحش، ولم يثبت عن أحد منهم تحريم شيء من آلات الموسيقى، إلا الطنبور وهو العود، فمحرم عند الإمام أحمد وحده.
فالأئمة الأربعة بريئون من التحريم الذي ينسبه إليهم بعض المؤلفين والخطباء!

< سبق أن أصدرت فتوى تبيح الغناء والموسيقى علام استندت فيها؟
< نعم، لقد صدر لي كتاب ضخم في الموسيقى والغناء وليس فتوى. وقد استندت في استنتاج إباحة الغناء الخالي من الفحش وكل آلات الموسيقى إلى القرآن أولا، إذ وجدته خاليا من أي إشارة إلى تحريم الغناء وآلاته، وهو الذي صرح بأنه بيّن كل شيء يحتاجه المسلم في دينه، فقال : ( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) (سورة النحل: 89) .
ثم إلى العمل المتواتر في المسلمين جيلا بعد جيل، إذ كان هناك مغنون ومغنيات وغناء وموسيقى وطرب زمن النبوة والخلافة الراشدة، داخل المدينة النبوية ومكة وخارجهما، واستمر الأمر كذلك إلى يومنا، وقد ثبت لدي بالطرق الصحيحة أن الغناء والموسيقى أمر محمود عند النبي وأصحابه، قبل أن تظهر روايات مكذوبة وضعيفة أسهمت في التشدد الفقهي .

< إلى أي حد ساهمت فتاوى تحريم الغناء في التأثير سلبا على تطور هذا الفن عبر التاريخ الإسلامي رغم وجود فتاوى مضادة؟
< أستطيع أن أجزم بأن الفطرة البشرية والواقع كانا أقوى من تشدد الفقهاء وفتاوى التحريم، إذ ظلت الموسيقى ومعها الغناء فنونا جميلة منتشرة في أوساط المسلمين غير مكترثين للتحريم المبتدع المسيء للدين السمح العظيم.
وهكذا هي الأمة، تتجاهل حماقات الفقهاء وتشدداتهم وتتمسك بالطيبات ومتع الحياة وكل شيء جميل، فلا يلبث الفقهاء حتى يعودوا للوعي الجمعي كما نشاهد اليوم، فقد مال سائر الفقهاء لإباحة الموسيقى والغناء، مع وضع بعض الشروط المتجاوزة، ولكن لحفظ ماء وجوههم.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى