fbpx
ربورتاج

جزر عمرانية تخنق البيضاء

الركود يضرب مشاريع عقارية في دار بوعزة وبوسكورة والنواصر بسبب العزلة وغياب إطار عيش يغري الملاك

لا حديث في الأوراش هذه الأيام إلا عن الركود، فالمشاريع البائرة أصبحت أكثر من الهم على القلب، وأغرقت المنعشين العقاريين في متاهات العسر وغرامات التأخير البنكية، بعدما شهدت السوق تحولات جذرية في سلوك الملاك، الذين هجروا مشاريع السكن المفتوحة في دار بوعزة وبوسكورة والنواصر، ضواحي البيضاء، والتي كانت إلى غاية الأمس القريب وجهة الباحثين عن الرقي والهدوء والرفاه.

معضلة تجارية فاقمت مشاكل الركود، وتباطؤ الطلب على فئات مختلفة من المنتوجات العقارية، خصوصا السكن الاجتماعي، الذي اضطر  المنعشون إلى ترحيله خارج المدار الحضري، بسبب ندرة الوعاء العقاري، ما حول مجمعات سكنية راقية ومنخفضة التكلفة إلى جزر عمرانية، بسبب بعدها الجغرافي عن مركز المدينة، وفشل الشركات العقارية في إحداث إطار عيش ملائم للملاك الجدد، يتجاوز بناء مرافق إدارية في إطار “الموازنة” (péréquation)، إلى توفير فضاءات خدماتية وترفيهية.

إنجاز: بدر الدين عتيقي – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

توقف زحف الاسمنت إلى حين في البيضاء، فالأوراش الموجودة على قلتها، خصوصا في ضواحي المدينة، تهم مشاريع عقارية تأخر تسليمها بالدرجة الأولى، نسبة كبرى منها، تتعلق بالبناء الذاتي، حسب ما عاينته “الصباح” في جولة همت مشاريع سكنية قائمة، وأخرى في طور الإنجاز، بمناطق دار بوعزة وبوسكورة والنواصر، التي كانت إلى غاية الأمس القريب نقط تركز الطلب في السوق العقارية في جهة البيضاء- سطات.

تباطأت استثمارات المنعشين العقاريين بعد إنصاتهم لحاجيات السوق، التي ما فتئت تشهد تحولات كبرى في الطلب وسلوك الشراء. “الواحد هو اللي يفكر ألف مرة قبل ما يشري سكن العمر”، تجيب سناء، مستخدمة في وكالة تأمينات، في معرض جوابها عن سؤال حول رغبتها في اقتناء شقة بالمشاريع السكنية الجديدة ببوسكورة، موضحة أنها تفضل خيار الكراء في منطقة “لاجيروند” حاليا، على الانتقال للإقامة في مكان بعيد عن عملها وسط المدينة، لا يوفر لها حاجيات العيش الضرورية، المتمثلة في المدارس الخاصة والمرافق الترفيهية، لكن قبل ذلك الأمن والصحة.

حيل التسويق

لطالما كان التسويق ملح القطاع العقاري، فكل منعش يراهن قبل كل شيء على حسن تدبير مشروعه تجاريا، من أجل ضمان تحقيق الربح المرجو، بل ويبني توقعاته بخصوص الكلفة والربح، على طريقة التسويق التي سيسلكها، وهنا يبدع بعض المنعشين في الترويج لمنتوجاتهم، فيما يفشل البعض الآخر، علما أن عملية تسويق أو بيع شقة، أصبحت مهمة شبه مستحيلة في ظل ركود القطاع حاليا، نتيجة تدني الطلب على العقارات، خصوصا في المشاريع المتمركزة في دار بوعزة وبوسكورة والنواصر، ضواحي البيضاء، بسبب افتقارها لمقومات عيش، مثل التي يوفرها مركز المدينة.

وعاينت “الصباح” خلال جولتها على الجزر العمرانية التي أصبحت تطوق البيضاء، تعثر تسويق عشرات المشاريع السكنية. التي تضم شققا وفيلات و بقعا أرضية مجهزة. “ننتظر زبونا قد لا يأتي أبدا، إنه كابوس تجاري يجاهد المنعشون العقاريون لتجاوزه”، يوضح محمد، وسيط عقاري في النواصر، موضحا أن المنعشين لا يدخرون جهدا في سبيل تصريف مخزوناتهم من المساكن، عبر تبني حيل وأساليب تسويق وترويج جديدة، تجنبهم خيار خفض الأسعار، ذلك أن حسابات الربح والخسارة، أصبحت تؤرق أصحاب المشاريع، الذين تورطوا في تخصيص الجزء الأكبر من استثماراتهم لتمويل اقتناء الأراضي والأوعية العقارية.

“عييت بالطريق”، تعلق نجاة، بنبرة ساخطة، على عدم توفر مصحة خاصة في بوسكورة، تتيح لها الحصول على علاجات استعجالية لطفلها المصاب بالربو، موضحة أن المستوصف العمومي لا يتوفر على التجهيزات اللازمة، ما اضطرها مرات كثيرة للتنقل على الساعة الثلاثة صباحا إلى وسط البيضاء، من أجل علاج ابنها، الذي تباغته نوبات خطيرة كل مرة، مشددة في تصريح لـ”الصباح”، أن المنطقة التي تقطنها تفتقر إلى مقومات العيش التي تجنب السكان مشقة الاعتماد على مركز المدينة.

وحسب معلومات حصلت عليها “الصباح”، فإن منعشين في منطقة النواصر، لم يترددوا في استخدام دعاية مضللة لجذب الزبناء عبر مكاتب البيع، بإيهامهم بتخطيط مساحات تجارية كبرى لافتتاح متاجر لها في المنطقة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المطاعم ومرافق الترفيه، ما شجع عددا كبيرا من الأسر على اقتناء شقق، قبل أن يفاجؤوا بعد مرور أشهر بأن المنطقة لن توفر إطار العيش الذي تخيلوه، إذ يكفي تصفح مواقع إعلانات صغيرة على الأنترنت، مثل “أفيتو”، للاطلاع على مئات عروض البيع اليومية لشقق وأراض في المنطقة المذكورة.

مظاهر بداوة

تمتد المساحات الخضراء على مدى النظر في دار بوعزة وبوسكورة والنواصر، من خلال حقول وأراض فلاحية، ما زالت تقاوم المد العمراني، فيما استوطنت مشاريع عقارية جديدة وسط هذه المناطق، التي أدرجت في تصاميم التهيئة ضمن المناطق السكنية الجديدة. أبقار وأغنام وعربات جر وغيرها في طريق أزمور الطويلة، بين وسط البيضاء ودار بوعزة، أعاقت الخطط التجارية للمنعشين، الذين أجمعوا على استخدام ورقة الجو النظيف والهدوء من أجل إغراء الملاك الجدد، خصوصا في مشاريع السكن الاجتماعي، في الوقت الذي أصبح الطريق المذكور، ومسالك أخرى إلى الضواحي، مسرحا للاختناق المروري المزمن كل يوم، خصوصا خلال ساعات الذروة.

تفنن المسؤولون التجاريون بالشركات العقارية في إخفاء مظاهر البداوة عن الزبناء، من خلال إقناعهم بتغير الأوضاع مستقبلا، عبر إصلاح الطرق وتعبيدها، والبناء فوق أراض عارية وفلاحية مجاورة، وغيرها من الصور، التي تنسجم مع شروط العرض والطلب الحالية بالسوق العقاري، الذي يعرف تراجعا في الطلب على العقارات ذات المساحة الكبيرة، مقابل ارتفاع في الطلب على نظيرتها صغيرة المساحة.
“يسارع مسؤولو التسويق في الشركات العقارية إلى التخلص من مخزون العقارات الكبيرة، قبل الشروع في تسويق العقارات الاقتصادية والمتوسطة”، يؤكد مراد، إطار في مكتب للوساطة العقارية بالبيضاء، ذلك أن القدرات الشرائية للزبناء تراجعت، موازاة مع تشدد البنوك واحترازها في منح قروض السكن، التي تباطأت وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة، موضحا في السياق ذاته، أن “بعض المسؤولين التجاريين يعمدون إلى توجيه الزبناء نحو منتوجات عقارية معينة، ويخفون عنهم أخرى لغايات تسويقية، بل منهم أيضا من يزاول أعمالا تجارية لحسابه عبر أقارب له، من خلال حجز مساكن عن طريقهم، وتفويتها لزبائن بتسبيق مالي يتجاوز المبلغ العادي المدفوع لقاء حجز مسكن”.

هذه الممارسات عاينتها “الصباح”، من خلال زيارة أحد المشاريع العقارية في منطقة بوسكورة، إذ ركزت مسؤولة التسويق على إقناع الزبناء بنفاد الشقق السكنية في المشروع، خصوصا تلك التي أبدا رغبة في شرائها، والتي تتميز بموقع إستراتيجي ومساحة معقولة، لغاية ضمان بيع أكبر عدد من المساكن، وإيهام الزبناء بالرواج التجاري للمشروع، وإقناعهم بشكل غير مباشر بأن اقتناء شقة يمثل “همزة” يتعين استثمارها في أسرع وقت.

مكاتب بيع فخمة

تصميم مكتب البيع ورقي تجهيزاته عاملان حاسمان في التأثير على نفسية الزبون، حتى ولو كان موقعه ضمن ورش البناء أو في مكان ناء، فالفخامة مطلوبة دائما. وبهذا الخصوص، يؤكد جمال، مسؤول تسويق لدى إحدى الشركات العقارية الصغيرة، أن جزئيات بسيطة تتحكم في نجاح عملية إقناع الزبون باتخاذ قرار الشراء، أهمها مكتب البيع الذي يعتبر فضاء التسويق، والمفترض توفره على مجموعة من الشروط التي تعكس رقي المنعش العقاري وجودة منتوجه.

ومن خلال هذه المكاتب ينجح مسؤولو التسويق في إيهام الزبناء بأهمية المشاريع السكنية وثقل الشركة المدبرة لها، رغم صغر حجمها وتواضع أنشطتها على أرض الواقع.
وتخصص الشركات العقارية، خصوصا الكبرى منها، ميزانية مهمة للتسويق، من أجل تصريف منتوجاتها والحفاظ على مستوى ثابت من السيولة في خزائنها، بما يضمن سلاسة تمويل المشاريع واستمرار أنشطة الاستغلال، فيما تستعين بعض الشركات بمقاولات متخصصة في التسويق لأداء المهمة المذكورة، كما توظف أطرا عالية في هذا المجال، تتوفر أساسا على ميزة الخبرة والممارسة العملية.

الحجز في “البلان”

يلجأ عدد مهم من المنعشين العقاريين إلى تسويق منتوجاتهم قبل الشروع في عملية البناء وتنفيذ المشاريع، المتمركزة في دار بوعزة وبوسكورة والنواصر، لغاية التغطية على تدني جاذبية هذه المناطق لدى الملاك الجدد، وكذا من أجل تحقيق غايات تجارية، تتمثل في تحصيل تسبيقات مالية تصل في بعض الأحيان إلى ربع قيمة العقار.

ويعمد مسؤولو التسويق في مكاتب البيع إلى الاستعانة بنماذج مصورة لشقق ومساكن افتراضية، حسب تصميم المشروع العقاري المراد تسويقه، من أجل إقناع الزبناء بالحجز وشراء العقار، إلا أن منسوب النزاعات ارتفع في هذه المشاريع العقارية المسوقة بهذه الطريقة، ذلك أن الزبون يصطدم خلال تسلمه للسكن الذي اقتناه، بواقع مغاير للنموذج الذي استند عليه خلال اتخاذه قرار الشراء، يتعلق الأمر بمواصفات هندسية ومساحة مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق