fbpx
خاص

حرب المحروقات … التسقيف قادم

الداودي استبدل التسقيف الأحادي بالتوافقي ورأي الكراوي يعيد سؤال المنافسة والمستفيد إلى الواجهة

“رأي مجلس المنافسة غير ملزم للحكومة”، يقول لحسن الداودي، الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة والحكامة، قبل أن يستدرك “أكيد رأي المجلس مهم، لكن لا يمكن بأي حال فرضه علينا”، معلنا نية الحكومة الاستمرار في سياسة تسقيف أسعار المحروقات. “عصا التسقيف مازالت بيدي، بإمكاني استعمالها في أي لحظة، لكن أيهما أفضل استعمال العصا وكسرها في غضون ستة أشهر أو سنة على أبعد تقدير، أو التوصل إلى اتفاق ساري المفعول لأربع أو خمس سنوات”. قرار عزاه الوزير المنتدب إلى ارتفاع الأسعار “الفاحش”، رغم وجود منافسة حقيقية في القطاع “كاينة المنافسة فالقطاع، والمقاولات الصغرى قادرة على الاستيراد، لكن المشكل هو أن الناس بغاو يربحو بلا قياس، ليكون المستهلك هو الضحية”.

أعاد الرأي الأخير لمجلس المنافسة، النقاش العمومي حول أسعار المحروقات وجدوى تسقيفها، إلى السطح، وأحيى نقاشا مجتمعيا وسياسيا حول مستقبل تدبير قطاع المحروقات السائلة، ففي الوقت الذي عبأت فيه الحكومة لقرار تسقيف هامش الأرباح، الذي سيخول انخفاضا في الأسعار، جاء رأي مجلس الكراوي مغايرا، وكشف قصور هذا التصور في حل الإشكالية من أساسها. إشكالية لمقاربتها من مختلف أبعادها، دفعت منتدى التنمية للأطر والخبراء إلى تنظيم ندوة علمية حول قطاع المحروقات، ضمت مختلف الفاعلين والمعنيين، أشرف عليها الباحث الجامعي محمد الناجي، الذي افتتح اللقاء بمجموعة أسئلة، اعتبرها مفتاح المشكل، من قبيل من المستفيد الحقيقي من تحرير الأسعار، هل المستهلك أم الفاعل الاقتصادي؟ وما هي مسؤوليات كل المتدخلين المؤسساتيين في حكامة تحرير أسعار المحروقات السائلة، وصدق المعطيات المتداولة حول الوضع التنافسي لسوق المحروقات، قبل أن يخلص إلى أن سوق المحروقات لا يضمن في واقع الأمر المنافسة الحقيقية، باعتبار صعوبات الدخول إلى القطاع، إما بسبب مشاكل تنظيمية أو مالية، نظرا لحجم الاستثمار الكبير الذي يتطلبه.

ونبه الناجي في السياق ذاته، إلى أنه نظرا لتنوع الفاعلين في القطاع الذي قسمهم إلى ثلاثة فاعلين أساسيين: مباشرين، يتملكون المنتوج، وغير مباشرين، يمثلون الناقلين والبنوك ووكالات التأمين، إلى جانب فئة ثالثة، ممثلة في الدولة والجانب التشريعي، والجمعيات، “يجب تحديد من له القوة الحقيقية في القطاع، ومعرفة من يحدد الثمن، وما إن كانت هناك شفافية حقيقية بالقطاع”.

لا مشكل في أن البلد غير منتج
 
أكد لحسن الداودي، الوزير المنتدب المكلف بالشؤون العامة والحكامة أن إشكالية أسعار المحروقات في المغرب لا ترتبط بأن المملكة بلد غير منتج ويستورد، ولا بما إن كان يستورد البترول الخام أو المكرر، “فالمشكل ليس هل لدينا مصفاة أم لا، الأخيرة، فهي تضمن استقرار القيمة المضافة في المغرب فقط، أو في خارجه في حال غيابها، ذلك أن أثمنة البترول المكرر والخام غير مترابطة”، ليضيف “من هذا المنطلق شركة سامير غير مهمة”.

وردا على ادعاءات غياب المنافسة في قطاع المحروقات، جزم الوزير بالقول “المنافسة كاينة، والدليل، أنه اليوم جميع الشركات قادرة على الاستيراد، وتستورد فعلا. هناك شركات صغرى تستورد باخرة صغيرة من سعة 50 ألف طن من إسبانيا”، وأردف “المنافسة موجودة في جميع المواد النفطية، باستثناء الكيروزين والفيول، فإحدى الشركات تحتكر 80 في المائة من الكيروزين وشركة أخرى تحتكر 60 في المائة من الفيول، ليس لأن الحكومة تفرض ذلك بل لأنه لا يوجد مستثمرون”.

وتأكيدا على أجواء المنافسة التي يتيحها القطاع، كشف الداودي أن زميله في الحكومة عبد العزيز رباح، وزير الطاقة والمعادن والتنمية المستادمة، رخص لعشر شركات جديدة، “غادي يولي الأمر بحال التيليبوتيك” يقول وزير الشؤون العامة والحكامة، الذي أبرز أنه تم الانتقال من 30 محطة إلى عشر فقط لضمان الحصول على رخصة، “لكن هل سيؤدي ذلك إلى تخفيض الأسعار؟”، يتساءل الداودي.
 
وخلص الوزير “من يقول إن غياب المنافسة في القطاع هي السبب وراء ارتفاع الأسعار واهم، فالمنافسة مشكل غير مطروح وإلا كيف يمكن تفسير استمرار مقاولات وشركات صغرى، ومع ذلك سننتظر دراسة مجلس المنافسة الذي أعلن أنه سيقوم بتدقيق هذه النقطة، وحينها ستتدخل الحكومة لتفرضها إن ثبت فعلا أنها غير موجودة”، لكن يضيف الداودي “المشكل وقع عندما أراد الجميع رفع الأسعار لأن السعر غير مؤطر، فكان المستهلك هو الضحية” وتابع في سياق متصل “المشكل يطرحه أيضا المستوى المجالي وتوزيع المحطات، أساسا داخل المدن الكبرى. لاحظوا أنه عندما تكون محطات لأكثر من شركة في المكان ذاته، لا يكون هناك مشكل”. 
لا تراجع عن التسقيف

أكد الداودي، أن تسقيف أسعار المحروقات هو قرار في يد الحكومة، لا تراجع عنه، مشيرا إلى قرب الوصول إلى تسقيف متوافق عليه، “فليست هناك نية للتراجع عن هذا القرار، وإنما هناك تأقلم مع المعطيات الجديدة، ولذلك سنتفق مع الشركات حول مسألة الهامش”.
وبعد أن ذكر الوزير، بأنه بمجرد تعيين رئيس مجلس المنافسة الجديد، راسله من أجل إبداء الرأي في هامش الربح ومسألة اتخاذ قرار التسقيف، “رأي ليس مفروضا على الحكومة، التي تتمتع بسلطتها”، شدد “نقول للمواطنين التسقيف سيتم، ونحن بصدد عقد اتفاقات مع أصحاب الشركات والمحطات. وإلى الآن يمكن القول إن المشاورات ناجحة بنسبة 99 في المائة، ونحن ماضون في طريق التوافق، الذي يفترض أن يتم في غضون الأسبوع الجاري، إن فشل التفاوض،  سنلجأ إلى التسقيف الأحادي، فالحكومة تتأقلم مع المعطيات الجديدة، وتحتفظ بسلطتها. ممكن أن أستعمل العصا للي شادها في أي لحظة، لكن لا أسعى إلى استعمالها، وبعدها تتكسر في أفق ستة أشهر أو سنة على أبعد تقدير، إن كان بإمكاني ضمان اتفاق يستمر لأربع أو خمس سنوات”.
ولفت الداوادي انتباه المشاركين في الندوة إلى أنه بمجرد الإعلان عن نية الحكومة اعتماد التسقيف، شرعت الشركات في خفض الأسعار للاقتراب من السعر الذي سيكون في حال التسقيف، مشددا على أنه سيراعي أكيد وضع المحطات، لأن بعضها، ممن لا يحتوي على أنشطة موازية، يعيش فقط على مبيعات المحروقات التي تظل غير كافية”. 
وذكر الداودي، أن ارتفاع أسعار المحروقات على الصعيد الدولي، يتأثر بالإشكاليات الجيو سياسية، مشيرا إلى أن الذي يدفع الأسعار في السوق العالمية للارتفاع أمور ترتبط بالعرض والطلب والمضاربة.

التسقيف أبرز خلاصات البرلمان

بعد مرور سنتين على تحرير قطاع المحروقات بالمغرب، ومع تصاعد الانعكاسات السلبية لارتفاع أسعار المحروقات في الأسواق الدولية والوطنية في ظل غياب الآلية الدستورية الموكول لها بمراقبة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة وتتبع عمليات التركيز ، بادر مجلس النواب سنة 2017، من خلال لجنته الدائمة للمالية والتنمية الاقتصادية بالقيام بمهمة استطلاعية للوقوف على كيفية تحديد أسعار البيع للعموم وحقيقة شروط المنافسة بقطاع المحروقات، بعد قرار تحريره وكشف ملابسات ارتفاع أسعار المحروقات السائلة، والمستفيد من مسار تحرير أسعار المحروقات السائلة. وفي السياق ذاته، أبرز نوفل الناصري، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، أن المهمة الاستطلاعية حول المحروقات خلصت إلى ضرورة إحداث آلية حكومية لتتبع ومراقبة ورصد الأسعار على المستوى الدولي والوطني، وضرورة تسقيف أسعار المحروقات، وأردف أنه يجب أيضا مراجعة المنظومة الضريبية في القطاع الحيوي والحساس، فرغم أن الضغط الضريبي على شركات المحروقات بالمغرب هو الأٌقل مقارنة مع الدول التي تمت دراستها، إذ يصل في المغرب إلى 34 في المائة بينما يتجاوز 50 و60 في المائة في دول أوربية وأمريكية، إلا أن تحليل منظومة الأسعار أبان أن الضغط الضريبي يشكل شطرا أساسيا في تحديد السعر.
من جهة أخرى، استغرب النائب البرلماني، اختلاف وجهات نظر رئيسي مجلس المنافسة، السابق والحالي، ففي الوقت الذي اعتبره الأخير غير مجد، كان الرئيس الأسبق من المدافعين عن هذه الطريقة، مضيفا أن الإشكالات المرتبطة بأسعار المحروقات، والظروف هي نفسها لم تتغير، “فكيف نفسر اختلاف الرأي أمام القضية نفسها” يتساءل الناصري.
 
المحطات حافظت على هامش الربح
كشف سفيان الحسني مستشار الجامعة الوطنية لأرباب وتجار ومسيري محطات الوقود بالمغرب، في كلمة ألقاها نيابة عن رئيس الجامعة، جمال زريكم، أن 90 في المائة من المحطات حافظت على هامش الربح نفسه المعمول به قبل وبعد التحرير، مؤكدا أن المشكل “ليس مشكل تحرير الأسعار بحد ذاته، بل مشكل غياب آليات الرقابة القبلية والبعدية، متمثلة في جمود مجلس المنافسة وغياب سعر مرجعي تعتمده الدولة من أجل المحاسبة كما كان يتم في عهد شركة “سامير” قبل إغلاقها”، لافتا الانتباه في سياق متصل إلى أن السعر الحقيقي ظل منذ عملية تحرير الأسعار محاطا بحجاب سميك، بسبب عدم معرفة تكلفة المنتوج الحقيقية قبل وبعد وصوله إلى المستهلك.
وأردف أنه يجب تسليط الضوء على الإشكال الحقيقي المتمثل في ما إن كان قرار التحرير قرارا سليما حكيما أو أنه كان قرارا متسرعا ومضغوطا بفعل انعدام الخيارات أمام الحكومة، وما إن كان المستهلك هو المستفيد من قرار التحرير، مشددا على أن ثمار التحرير، لم تجنها إلا الشركات الموزعة وليس المواطن العادي، خلاصات تضمنها التقرير النهائي للجنة تقصي الحقائق، إلا أنه تم التغاضي عنها، ليتحول النقاش إلى نقاط ثانوية.
وإذا كانت الجامعة تدعم قرار التحرير، الذي تعتبره قرارا شجاعا حرر المالية العمومية، من دين كان يلتهم جل مقدرات البلد، وخيارا لا رجعة فيه، أبرز الحسيني، أنه لا بد من مراجعة الاختلالات التي عرفها هذا المسلسل، سيما شبهة غياب المنافسة والتحكم في السعر من قبل الشركات الموزعة. واستغرب مستشار الجامعة، كيف أن أصابع الاتهام حول ارتفاع أسعار المحروقات رغم انخفاض الأسعار على المستوى الدولي، توجه دوما لسياسة التحرير، وللمحطات، التي تعد الحلقة الأضعف في هذه السياسة.
واقترح الحسيني لتجاوز إشكالية الأسعار، سن إصلاح متوازن، تمنح فيه لصاحب المحطة حرية التدبير، من أجل إحداث تنافسية حقيقية وتعزيز آليات التتبع والرصد والرقابة.

إنجاز: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى