fbpx
ملف الصباح

مجهولي النسب … “بغيت لاكارت ناسيونال”

أيوب يشق مساره وسط مستنقعات مجتمع يقابله بذرة عطف

لا يتمالك المستمع لقصة أيوب نفسه، فعيناه الدامعتان ونبرة صوته الخافت، وحركات يديه النحيلتين، تجعل المستمع حزينا لحكاية شاب ارتبطت حياته بالمعاناة والألم.

لا أحد يعلم من اختار لأيوب هذا الاسم، ربما أن والدته أدركت، لحظة ولادته، أنه سيشق درب الحياة الشائكة بقدميه الحافيتين، ويحتاج إلى صبر النبي أيوب، فلم يخب حدسها، فمن استمع إليه يجهش بالبكاء، خاصة مع عجزه عن الحصول على شهادة عقد الازدياد، وتصنيفه في خانة “ولد الحرام”.

يتحدث أيوب عن معاناته طيلة عشرين سنة، نتيجة عدم توفره على عقد الازدياد وبطاقة التعريف الوطنية، مشيرا إلى أن ما حز في نفسه كثيرا أنه فُصل عن عمله، لأنه لا يتوفر على الوثائق الرسمية، ناهيك عن ضياع حلمه في اللعب في أندية كرة القدم.

لا يخفي أنه فكر أكثر مرة في الانتحار، إلا أنه استطاع أن يتأقلم مع حالته، خاصة بعد أن أصبح نشيطا في إحدى الجمعيات التي تتوصل بحالات عديدة للأمهات العازبات، والمشردين بالشوارع، والأطفال المتخلى عنهم، وآخرين بدور الرعاية الاجتماعية، يعانون لإثبات هويتهم والتسجيل في الحالة المدنية، ويحرمون من الحقوق الأساسية، مثل الحق في التعليم، والصحة، فالقانون يميز بين الأطفال من علاقة زواج ووضعيات أخرى، علما أن الطفل لا ذنب له.

لم يأبه أيوب في طفولته، كثيرا، بوضعيته الخاصة، فقد وجد نفسه منبوذا في محيط أسرته، وظل الجميع يردد قصته التي حفظها عن ظهر قلب: “ في يوم ما حمل الجيران والدتك إلى مستشفى الحي، وأعلن الأطباء عن ميلادك، وأطلقت عليك الأم اسما مثل باقي المواليد الجدد، ثم فتحت عينيك على حياة … وأنت “ولد الحرام” لا أبا لك”.

معركة الإثبات

سقطت الأم في المحظور، فقد ارتبطت بعلاقة مع شخص وعدها بالزواج وظل يغدق عليها المال، مقابل بيع جسدها في كل ليلة، ثم في لحظة سهو حملت، وعجزت عن التخلص من الجنين، رغم استعمال كل أنواع الأعشاب، ثم انتفخ البطن، وأنجبت أيوب، ووجدت نفسها وحيدة تواجه حياة أشد مرارة.
قارب أيوب، الآن، سن العشرين، لكن حين يتكلم تشعر أن حياته مسار طويل من المواجهات والمعارك، انتقاما من علاقة غير شرعية جمعت والدته بأبيه  المختفي، فهو لم يعرف يوما حضن والده، ولم يشعر بيديه تكفكف دمعه، حين يعود باكيا إلى المنزل، ولم يسانده في مواجهة قسوة أقرانه وسبابهم، وحين انتبه إلى أنه يجيد لعب كرة القدم، ظل الشباب يذكرونه بماضيه، فغادر المنطقة، بحثا عن فضاء آخر.
عثر أيوب على عمل، لكن رب العمل طالبه بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية، فعاد إلى أشجانه، وقرر التواري عن الأنظار، قبل أن تنقذه إحدى الجمعيات لتبتدئ معركته لإثبات مواطنته، بعيدا عن صفة “ولد الحرام”.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى