fbpx
خاص

الطيب الصديقي … “المهووس النصي”

نبش في أرشيف ومخطوطات “مجذوب” المسرح المغربي

حلت، أخيرا، الذكرى الثالثة لرحيل الفنان الطيب الصديقي الذي غيبه الموت في مثل هذا الشهر عن سن ناهز الثامنة والسبعين. عبر هذا الخاص تحاول “الصباح” استحضار جوانب من ملامح عبقرية هذا الرجل من خلال النبش
في وثائقه وأرشيفه الخاص، وأيضا استعادة للحظات والانشغالات الأخيرة لصاحب “جنان الشيبة” الذي رحل عنا وفي نفسه أشياء من حتى، وغصة مسرحه وفضائه الموقوف والمعلق وتراثه الذي ينتظر الإنقاذ.

إنجاز: عزيز المجدوب

في ذكرى رحيله، لم تكن هناك طريقة للاحتفاء بهذا الرمز المسرحي، (لا أستطيع مقاومة تخيل قسمات وجهه المتهكمة على هذا التعبير) سوى من خلال التسلل إلى مخدعه الخاص، والنبش وسط أوراقه ومخطوطاته وجزء من أرشيفه. وهو الرجل الذي كان يقدس الأوراق والصور والوثائق، ويوليها اهتماما خاصا، وهو ما يتبدى لكل زائر لعالم الطيب الصديقي الخاص، والذي لم يكن خاصا به وحده بل أراد له أن يكون أشمل ويتجاوز تجربته الشخصية في الحياة والفن، ليغدو شاهدا على أكثر من حقبة وتجربة في تاريخ المغرب.

بعد ثلاث سنوات من رحيله، مازالت هناك أشياء كثيرة من أثر الطيب تطوف بالبيت الذي قضى فيه سنواته الأخيرة بحي الكريمات بعين الشق. الهدوء يلف المكان، وعبق العرعار الصويري يحضر بقوة في الطابق السفلي لفيلا الصديقي التي اختار تسميتها، “أميرة” تيمنا باسم زوجته، ويجعل منها متحفا لمختلف الأشكال والتحف الفنية العتيقة ولوحات جلها من توقيعه، تجعل الداخل إلى هذا الفضاء يشعر وكأنه سافر مكانيا وزمنيا إلى عوالم حرص الصديقي على الإمساك بأشياء منها، ويستبقيها وكأنه كان يدرك أن قيمتها تزداد مع مرور الوقت، أو بعد رحيله.

كل شيء في المنزل ما زال محافظا على الترتيب نفسه الذي كان يرتضيه الطيب، ويشترك في وضعه. لمسته الفنية حاضرة وحرص الزوجة ورفيقة الحياة على أن تظل الاستمرارية موجودة، جعلا من ركن الطيب الصديقي وزاويته، يحتفظان بسحرهما وهالتهما، خاصة أن الفنان الراحل كان يعشق أن يلفه الإبداع في كافة تفاصيل حياته.

أخيرا.. سأموت بصحة جيدة

نعم ثلاث سنوات مضت، ولم تندمل آثارها من نفس “أميرة” إذ بمجرد ما استعادت بعضا من اللحظات الأخيرة للطيب الصديقي، وكيف تسلل الموت وأرخى بظلاله على الغرفة التي كان يرقد فيها بالمصحة، وكيف واجهه الصديقي بسخريته الدائمة عندما تم نقله إليها قائلا “وأخيرا سأموت بصحة جيدة”، حتى انسابت دموعها ممزوجة بابتسامة انتزعتها هذه العبارة الساخرة التي تعكس طبع التهكم لدى صاحب “المقامات” الذي لم يتغير حتى في أكثر اللحظات الإنسانية جدية.

كفكفت “أميرة” دمعها، وهبت واقفة فجأة وتوجهت نحو ركن وسط الباحة التي استقبلتني فيها، رفقة ابنها بكر الصديقي، وهو المكان نفسه الذي كان يستقبل فيه ضيوفه الذين كانوا يقصدونه خلال السنوات الأخيرة من عمره، واستخرجت مرمدة نحاسية عتيقة، أطفأ فيها الطيب آخر سيجار دخنه أسابيع قليلة قبل وفاته، ظلت حريصة على الاحتفاظ بها ضمن أشيائه ومتعلقاته الشخصية التي كانت تشكل جزءا من طقوسه الخاصة، منها الشمعدان الذي كان يوقد عليه الشمعة التي تمتص دخان السيجار، والولاعة الأخيرة، إضافة إلى هاتفه المحمول، والطاولة التي كان يمضي سحابة يومه عليها يقرأ ويخط ويرسم.

القراءات الأخيرة لـ “المهووس النصي”

علاقة الراحل الطيب الصديقي بالكتب تنطوي على بعد خاص، يمكن إجماله في عبارة “المهووس النصي” l’obsédé textuel وهو مشروع كتاب كان الصديقي يفكر في إصداره قبل وفاته، مستثمرا فيه عناصر من عرض فني له ضمن تجربة “الكافي تياتر”.

هوس الصديقي بالكتب والنصوص يعود إلى مراحل مبكرة من عمره إذ يقول في بوحه للإعلامي حسن حبيبي ضمن كتاب “الطيب الصديقي.. قصة مسرح”: “ولدت بين الكتب، كنت وأنا صغير، أرى والدي يعود كل مساء محملا بالجرائد والمجلات والكتب والموسوعات. يضعها بين أيدينا، نحن أطفاله، تماما كما يضع رب البيت قفة طعام المساء. كان الرجل يجعل من القراءة طقسه اليومي، أما بيتنا فكان عبارة عن مكتبة كبيرة تضم أمهات المؤلفات في مجالات معرفية مختلفة من علوم وفقه وتاريخ ولغة. وكان طبيعيا أن يبتلى صغار هذا الفقيه العلّامة ب”داء” القراءة”.

هذا الداء الجميل والمزمن لازم الطيب طيلة حياته، التي قسمها بين انشغالاته بالمسرح كتابة وتمثيلا ومسؤوليات، فضلا عن اهتمامه بالتشكيل، إلا أن الانشغال الأكبر ظل بالنسبة إليه هو القراءة التي ظلت مصدر تفوقه وتميزه وسر عبقريته.

في مختلف الأمكنة والمنازل التي عاش فيها الطيب الصديقي كان للمكتبة حضورها الطاغي، إذ ظل حريصا على تخصيص حيز لها يسع آلاف الكتب والمجلدات التي يحتفظ بها، دون الحديث عن هوسه الخاص بالتوثيق والاحتفاظ بكل صغيرة وكبيرة توثق مساره ومسار زملائه في مجال المسرح.

خلال السنوات الأخيرة من عمره وبعد انتقاله إلى سكنه بحي الكريمات لم تسعفه حالته الصحية لتأثيث مكتبته الضخمة، فظلت العديد من الكتب مركونة في علب الكارتون، إلا أن بعض العناوين كان يحرص على أن تبقى قريبة منه، سواء على طاولة الاشتغال اليومي أو قريبا من سرير النوم.

وتكشف أميرة بعضا من عناوين الكتب التي ظل الطيب يعود إليها لما استبد به المرض ولم يعد يقوى على التفتيش وسط ركام الكتب، هناك كتاب “دلائل الخيرات” للإمام الجزولي، و”إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة” للفقيه والمؤرخ محمد بن سعيد الصديقي والد الطيب، وهو الكتاب الذي كان يتصفحه دائما وكأنه لم يرد أن يفقد الصلة بمسقط رأسه الصويرة التي رأى فيها النور سنة 1938، وظلت حاضرة في وجدانه رغم أنه غادرها إلى البيضاء وسنه لا يتجاوز العاشرة، إلا أن ما تلقاه بها ساهم بشكل كبير في رسم معالم شخصيته في ما بعد، حتى إنه أعاد تقديم هذا الكتاب على شكل عمل مسرحي بالعنوان نفسه.

ومن المراجع التي بقي الطيب حريصا على أن تظل قريبة منه، هناك القواميس والمعاجم، وشغفه الخاص بالتأثيل l’étymologie أي علم أصول الكلمات واشتقاقاتها، وهو ما كان يعينه أيضا على موهبته الفطرية في التلاعب بالكلمات من خلال ضبط أصولها وجذورها، إضافة إلى عشقه الخاص لأشعار الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير واحتفاظه بمجموعات كلاسيكيات الأدب الفرنسي.

كما لم يفوت الطيب الفرصة خلال العقد الأخير من عمره، دون أن يتعلم حروف “تيفيناغ” بالاستعانة بكتب وبرامج خاصة، الشيء الذي جعله يتقنها إلى حد كبير، وهو ما يظهر أن الرجل لم يكن يتوقف عن التعلم والتكوين إلى آخر رمق في حياته، إذ كان يسخر من كل الذين يقولون له “لقد أصبت بالملل ولا أجد ما أفعل” فكان جوابه دائما “لا يمكن للإنسان ألا يستفيد من وقت فراغه إلا إذا أراد للفراغ أن يدخل حياته أو يكون فارغا”.

الإرث الـوثـائـقـي

إرث الطيب الصديقي الأكبر يظل بلا شك أعماله المسرحية العديدة ومؤلفاته التي خلدت اسمه، وتعتبر علامة فارقة في تاريخ المسرح المغربي والعربي، لكن إرثا آخر لا يقل عنه رمزية هي الرصيد الوثائقي الهائل الذي خلفه الفنان الراحل، والذي يكشف عن جانب آخر من شخصيته، والذي لم يترك كبيرة ولا صغيرة في مساره ومسار زملائه وأصدقائه ومختلف الأحداث التي عايشها، إلا وأحصاها وحرص على الإمساك بشيء أو أشياء منها.

رصيد الوثائق والمخطوطات والصور، لحسن الحظ، أن دمه لم يتفرق دمه بين القبائل الغريبة، بل بين شخصين قريبين آلا على نفسيهما على توزيع الأدوار فيما بينهما لحفظ هذا التراث، هما أميرة زوجته، التي ما زالت تحتفظ بالوثائق والصور، وحتى ملابس وديكور بعض لأعمال المسرحية ما زالت مركونة بفضاء الطيب الصديقي أو مسرح “موغادور” المغلق بشارغ غاندي بالبيضاء.
أما الشخص الثاني فهو ابنه بكر الصديقي، الذي احتفظ بمخطوطات الراحل التي تشتمل على النصوص الأصلية للأعمال المسرحية سواء التي اقتبسها أو ساهم في تأليفها أو ألفها شخصيا.
بكر الذي يرأس مؤسسة الطيب الصديقي التي ما زالت تواصل اشتغالها بمساعدة أشقائه: الزبير وراضية ورجاء وبقية العائلة، بإحياء تراث الوالد الوثائقي أو المسرحي، فتح لـ”الصباح” بيته لتغوص في الرصيد الوثائقي لـ”مجذوب” المسرح المغربي.

في حضرة بكر، الابن البكر والذي يحمل شبها فيزيقيا كبيرا مع والده، نكتشف جانبا آخر من شخصية صاحب “أبي حيان التوحيدي” الذي كان يدرك أهمية تنظيم الأرشيف والحفاظ على كل وثيقة ومخطوطة مع الحرص على توثيقها وتدوين ملاحظات جانبية عليها تتضمن أيضا بعض الأسرار التي رغب الصديقي في الاحتفاظ بها لنفسه أو لمن سيطلع على مخطوطاته في ما بعد.

فبدءا بالأعمال الأولى والاقتباسات التي دشنها منتصف الخمسينات، نجد بين وثائق الطيب الصديقي نموذجا خاصا لتوثيق الشخصيات التي تابعت عروضه الفنية، التي كان يحرص على وضع كتاب ذهبي خاص بها، منها الكتاب الخاص بأحد عروضه ضمن تجربة “المسرح العمالي” سنة 1957، فكانت المفاجأة أن هذه الوثيقة تشتمل على ارتسامات وتوقيعات بخط يد شخصيات من قبيل المهدي بن بركة وعلال الفاسي وعلي يعتة وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد والدكتور عبد الكريم الخطيب والبشير لعلج ومحمد فويتح وعائد موهوب والعربي الدغمي والعربي الصقلي والحاج بوشتنوف والتاقي بن عزوز وغيرها من الشخصيات التي تركت “خط يدها” وبصمتها على الكتاب الذي ما زال في حالة جيدة، رغم مرور أزيد من ستين سنة، بفضل اعتناء الراحل بوثائقه فضلا عن كتب ذهبية أخرى.

كما تضم الوثائق المخطوطات الأصلية لمسرحيات من قبيل “فولبون” لبن جونسون والتي اقتبسها الصديقي وقدمها بالرباط سنة 1960، كما يبدو مدونا عليها، ومسرحية “سيدي ميمون” أو “واقعة وادي المخازن” التي قدمت بالعاصمة يوم 9 يوليوز 1964.، وكذلك “في الطريق” (1965) وملحمة “المغرب واحد” وهي تأليف مشترك بين الطيب وشقيقه السعيد الصديقي قدمت في يوليوز 1966.

ومن العبارات التي تتكرر في العديد من المخطوطات والتي يستهل بها مسرحياته سواء كانت مكتوبة بخط يده، أم بخط آخر، هي “اللهم يسّر وأعن”، كما يحرص على أن تمهر الأعمال بتوقيعه واسمه فور الانتهاء من تحريرها وكتابتها.

ومن الأشياء التي يكشفها النبش في أرشيف الصديقي، أيضا الحسم في الجدل القائم حول نسبة بعض الأعمال إليه، منها مسرحية “تمرين الأكباش” إذ نجد على المخطوطة الأصلية لهذا العمل الذي تم الانتهاء من كتابته سنة 1969، أنه من وضع السيناريو هو الطيب نفسه، بينما كتب الحوار الراحل أحمد الطيب لعلج، وفي آخر العمل دوّن صاحب “المقامات”، باللغة الفرنسية، ما تعرض له من تقريع حاد وجهه له الحسن الثاني، إذ استدعاه خصيصا لذلك، بسبب عرض هذه المسرحية لأول مرة في الجزائر، وما تضمنته من تلميح وسخرية لاذعة، لتكون بذلك أسوأ ذكرى على حد تعبيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق