مجتمع

70 عائلة بالجديدة تشتغل طيلة السنة في صناعة الفخار

مشاكل التسويق والحطب والتلوث تقف عائقا أمام تطوير المهنة

أدخنة داكنة تتعالى في السماء، تنبعث من أفرنة تقليدية قرب دور واطئة مبنية بالطوب والحجر، تخنق الأنفاس.. أطفال يقلبون العجين ويدلكونه بأرجلهم ويدفعون الحطب إلى «بيت النار».. نساء يرتبن ما أنتجته سواعد رجالهن وأبنائهن في انتظار لحظة التسويق التي انتظروها منذ أحد عشر شهرا…

على بعد حوالي 17 كيلومترا جنوب مدينة الجديدة، بتراب جماعة أولاد احسين، توجد حوالي سبعين أسرة، تستقر بدوار الحشالفة، قرب سبت أولاد بوعزيز، يشتغل رجالها ونساؤها وأطفالها بالخزف من أجل صنع «التعريجة» التي تسوق في كل أرجاء المملكة، خلال شهر ذي الحجة وبداية محرم الحرام، أي ما يعرف بعاشوراء. أسر تشتغل طيلة السنة من أجل تسويق منتوجها خلال هذا الشهر.

الكل يشتغل
 «نشتغل بكبيرنا وصغيرنا، عيالاتنا ورجالنا طيلة السنة، من أجل بيع المنتوج خلال عيشورة.. « تقول فاطنة ربة بيت، تضطر للعمل مع باقي أفراد أسرتها في عجن الطين وتحويله إلى «تعاريج»، وهي آلات عجيبة خصوصا بعد إخضاعها للصباغة والتزويق.
وتشتهر منطقة أولاد احسين بإنتاجها الضخم وانخفاض تكلفة تسويقها مقارنة مع إنتاج مدينة آسفي وفاس. ويتم تزليج التعريجة وهو ما يرفع من قيمة تسويقها. وتعد المنطقة الممول الأول لكافة التجار على الصعيد الوطني، إذ يقصدونها من كل الأقاصي نظرا لجودة المنتوج من جهة ورخصه من جهة أخرى. يقول أحد الصناع التقليديين: «يصل معدل الإنتاج السنوي إلى ما بين 30 و40 ألف قطعة من مختلف الأحجام، ويرجع هذا التفاوت إلى أحوال الطقس، إذ كلما كانت أحوال الطقس سيئة، كلما تعثر الإنتاج وتأخر، فضلا عن التكلفة العامة ل «التعريجة»، التي يدخل فيها ثمن الطين والحطب والنقل والمواد المستعملة، كالصباغة والجلد، الذي يتم جلبه من مدينة مراكش، دون الحديث عن اليد العاملة التي يشترك فيها كل أفراد الأسرة من الزوج إلى الزوجة/ فالأبناء، ولكل واحد دوره، من العجن إلى التجفيف، إلى الحرق، إلى التجليد (أي تلصيق الجلد عليها)، إلى الصباغة..».
صعوبات ومشاكل التسويق
تعترض الصانع التقليدي عدة صعوبات وعدة مشاكل ترتبط أساسا بغياب مكان للعرض والتسويق، فرغم إنشاء تعاونية إنتاجية، تضم لحد الآن 10 صناع تقليديين، فإن حوالي 60 صانعا ما يزالون خارج هذا الإطار.
ويرجع حسن العباسي، أستاذ جامعي قام ببحث حول «الطيانة»، ذلك، إلى كون الصناع، ما زالوا لم يستوعبوا بعد مفهوم التعاون، وما زالوا متشبثين بمفاهيم العمل الفردي، كما أن غياب فضاء للعرض والبيع يزيد من هذه التفرقة، وإن كانت التعاونية استطاعت تحقيق بعض المكاسب، التي تتمثل في شراء الطين والحطب بشكل جماعي، وهو ما ينقص من ثمن التكلفة، بالإضافة إلى استفادة الصناع التقليديين من القروض التي تتعامل معها التعاونية.
يشار إلى أن غرفة الصناعة التقليدية، كانت عملت مؤخرا على تأسيس جمعية استطاعت من خلالها، احتواء كل الصناع التقليديين العاملين في مجال الفخار بأولاد احسين. وتفكر الغرفة أيضا وبتعاون مع الجهات المسؤولة ببناء فضاء في ملتقى الطرق (مصور راسو) من أجل اتخاذه فضاء للعرض والتسويق والتخزين، سيما وأن هذه التجارة لا تنشط إلا خلال شهر أو شهرين على أبعد تقدير…

خطر التلوث قائم
إلى جانب ذلك يطرح (عبد الرحمان.ا)، عضو التعاونية عدة مشاكل تعترض إخراج المنتوج إلى حيز الوجود، إذ، يقول:  »أكبر مشكل يعترض حياة الصانع هو قلة المواد المستعملة في عملية الحرق، أي حرق المنتوج المصنوع من الطين، لكي لا يتكسر، حيث تتطلب عملية الحرق ست ساعات وتتطلب هذه المدة أطنانا من الحطب، الذي لا يوجد بفعل الحظر المفروض على الأشجار وخاصة الأوكالبتوس والمستعمل في عملية الحرق وهو ما يدفع الصناع إلى الاستعانة بشراء بعض المواد الأخرى من المعامل الموجودة بالحي الصناعي كالكارتون وبقايا مواد النسيج وغيره… « ومن المواد التي يستعملها الصانع في تهييء منتوجه أثناء الحرق المواد البلاستيكية ومنها على الخصوص العجلات المتلاشية والتي يتم استقدامها من البيضاء، وإن كانت تترك أدخنة داكنة وسامة وتلوث البيئة، ولكنهم مضطرون لاستعمالها في غياب الحطب وفي غياب الكهرباء والتي سوف تغنيهم عن استعمال هذه المواد الملوثة، وذلك بتعويضها بأفران تشتغل بالغاز والكهرباء، وقد عبر بعض الصناع عن تذمرهم جراء حرمانهم من الربط بالكهرباء.

سنة من العمل
يشتغل الصناع طيلة السنة لتسويق منتوجهم من «التعريجة» على الخصوص، الذي يمر عبر مشوار شاق، يبتدئ بالبحث عن الطين والطين الجيد، الذي يتوفر على خصائص معينة، من أهمها الليونة والصفاء والنقاء، الذي يتم شراؤه من محجر في طريق الجرف الأصفر بتكلفة تصل إلى ما بين 270 درهما للشحنة و150 درهما لنقلها، بعدها يخضع لعملية التجفيف في الشمس، ثم تأتي عملية «الترقيد» في مكان مخصص لذلك، لتنطلق مرحلة العجن بالأرجل، وبعد أن يصبح جاهزا، يتم وضعه في قوالب جاهزة للتصنيع، إذ يتكلف شبان مختصون في تقطيع الوحدات وإخضاعها لعملية دوران دقيقة تعمل فيها الأرجل والأيدي، عملها وتشتغل الأصابع بطريقة فنية لتخرج منها تحفا فنية تختلف حسب الشكل والنوع والطلب.. وتختلف أنواع المنتوجات ما بين «التعريجة» والأصص والديكورات الصغرى وغيرها، التي يقوم بصنعها الصناع بأولاد احسين بناء على الطلب. ويصل معدل الإنتاج لكل صانع يوميا ما بين 150 و200 وحدة ويصل المعدل السنوي ما بين 30 و40 ألف وحدة مع الأخذ بعين الاعتبار أن احتمال تعرض المنتوج للكسر وارد، إذ يصل إلى ما بين 10 و20 في المائة خصوصا في مرحلة التجفيف والحرق والتخزين، ويصل سعر التسويق ما بين 70 سنتيم و5 دراهم للقطعة.
وإلى أن تتم هيكلة القطاع وتنظيمه عبر تعاونيات وتعميم استعمال أفران الغاز والكهرباء، وخلق سوق نموذجي لعرض وتسويق المنتوج السنوي، يبقى محترفو الطين بأولاد احسين عرضة للاستغلال من طرف وسطاء محترفين، إذ تكفي الإشارة، إلى أن الأص الواحد يباع ب30 درهما بمكان الصنع ويباع بالبيضاء ب60 درهما وبالرباط وفاس ب120 درهما، وقس على ذلك، يقول الأستاذ حسن العباسي.

أحمد ذو الرشاد (الجديدة)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق