افتتاحية

حصان طروادة

تشبه المواجهة بين إدارتي الضرائب والجمارك والتجار، إلى حد كبير، أسطورة حصان طروادة، ذلك الحصان الخشبي الضخم الأجوف الذي صنعه الإغريق، بعد عجزهم عن اقتحام طروادة رغم حصارها عشر سنوات، فأبدعوا حيلة صنع حصان، وتقديمه هدية إلى أهل المدينة وإعلان السلام، وحين فتحت الأسوار، انطلق من داخل الحصان الأجوف جنود مدربون تسللوا إلى قلب المدينة وقضوا على أهلها.
أتقن المتهربون من أداء الضرائب لعبة حصان طروادة، فقد أوهموا التجار الصغار بأنهم مستهدفون من قبل الضرائب والجمارك، ويتعين عليهم مواجهة هذه التدابير لما لها من انعكاسات مباشرة على تجارتهم، وروجوا لهم “هدايا” عبارة عن أكاذيب، ونجحت الحيلة في تأجيج الوضع وكسب تعاطف المواطنين، كما نجح الحصان الخشبي في كسر حصار طروادة.
وجد التجار الصغار أنفسهم وسط “اللعبة”، فالحصان الأجوف صنعه كبار المتهربين من الضرائب، من تجار جملة وأرباب مقاولات، المعنيين المباشرين بهذه القرارات والمستفيدين الكبار من استمرار الوضع على ما كان عليه، أما التجار الصغار فهم غير معنيين بالفوترة، لأنهم يخضعون للنظام الجزافي، كما أنهم يؤدون الضريبة على القيمة المضافة عندما يقتنون سلعهم من الشركات أو من تجار الجملة والمستوردين، فالذين يسطون على الضريبة على القيمة المضافة بعد استخلاصها من تجار التقسيط يوجدون في الحلقة الأولى للتوزيع، لذا ليس من مصلحتهم تحرير الفواتير على كل معاملاتهم والاستمرار في بيع منتوجاتهم “بالنوار” لكي لا ينكشف أمرهم.
فهل يعلم التجار الصغار أنهم ضحية نصب وحيلة إغريقية قديمة؟ إذ يؤدون الضريبة على القيمة المضافة لمزوديهم، لكنها لا تصل إلى خزينة الدولة، بل تنعش جيوب من يسعى، حاليا، إلى تأجيج الوضع واستمرار الاحتجاج للضغط على الإدارة من أجل التخلي عن قراراتها بشأن تشديد المراقبة، وإقرار إجراءات تضفي مزيدا من الشفافية على تعاملات الشركات وكبار التجار.
للأسف، فإن حيلة المتهربين انطلت، أيضا، على بعض الفاعلين السياسيين الذين ساندوا التجار، وأصبحوا يرددون ما يروجه كبار المتهربين. فما الضرر من إقرار رقم تعريف موحد للمقاولة، الموجه، أصلا، للخاضعين لنظامي المحاسبة، والمحاسبة المبسطة، أي شركات الإنتاج والتوزيع؟ الضرر من هذه الإجراءات لا يمكن أن يقع إلا على الذين يرفضون أن تتم معاملاتهم في شفافية تامة.
هناك عشرات الملايير المستحقة لخزينة الدولة يتم السطو عليها من قبل محركي هذه الاحتجاجات بعد أدائها من قبل المستهلكين، ويتعين على الجميع الاصطفاف إلى جانب القانون من أجل استردادها. أما التجار الصغار فقد تم استخدامهم وتوظيفهم في بناء حصان طروادة حيث يختبئ كبار المتهربين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق