حوادث

السعيدي: أزمة حوار في التنظيم القضائي

الكاتب العام لودادية موظفي العدل قال إن الإدارة القضائية تعاني بسبب الجمع بين مهام المسؤولية القضائية والإدارية

أجرت الحوار: كريمة مصلي

يرى عبد الصادق السعيدي، الكاتب العام لودادية موظفي العدل، أن النقاش حول التنظيم القضائي ليس سوى تعبير موضوعي عن أزمة حوار، وهي أزمة عميقة تخترق بنية التفكير لدى كل المتدخلين والفاعلين المباشرين في الحقل القضائي. وأضاف في حوار مع “الصباح” أنه من الطوباوية التفكير في القطيعة والفصل الميكانيكي بين الأجهزة والهيآت، فدستور 2011 في فصله الأول نص على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها.

> أحيل أخيرا التنظيم القضائي على المحكمة الدستورية، كيف ترون الموضوع ؟
> نعتقد في ودادية موظفي العدل أن المدخل لمقاربة هذا الموضوع هو الوقوف عند طبيعة النقاش الدائر حوله، فما يحدث من نقاش حول التنظيم القضائي ليس سوى تعبير موضوعي عن أزمة حوار، وهي أزمة عميقة تخترق بنية التفكير لدى كل المتدخلين والفاعلين المباشرين في الحقل القضائي، وهي أزمة أيضا مرتبطة في حالة الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة بعدم قدرة مؤسسات الدولة والمجتمع على الاعتناء بتنظيم شروط هذا الحوار المجتمعي وتقنين ممارسته وتحصين مخرجاته باعتباره يشكل مظهرا من مظاهر الممارسة الديمقراطية، نتائجه ملزمة بالضرورة لكل مؤسسات الدولة والمجتمع، لأن جلسات الحوار والندوات والخلاصات كان من المفترض أن تشكل انعكاسا لتعبيرات ومواقف هــذه المؤسسات.

إن هذه الأزمة قد لا ننتبه في زحمة انشغالاتنا المهنية وصراعاتنا الصغيرة إلى حجم كلفتها الزمنية والمالية والسياسية في حالة الحوار الوطني على الأقل، ومن ثم فإحالة التنظيم القضائي على المحكمة الدستورية ونظرا لإيماننا العميق بعمل المؤسسات الدستورية، فهي مسطرة قانونية لا تشكل لنا هاجسا أو رهانا، لكنها واقعة تسائل كل مكونات منظومة العدالة حول طبيعة الحوار الدائر بينها.

> لكن هناك من يقول إن التنظيم القضائي المصادق عليه في قراءة ثانية لا يتوافق ومبدأ استقلال السلطة القضائية؟
> لتوضيح هذه النقطة ورفع اللبس الذي يعتريها لابد من طرح عدد من الملاحظات في هذا الشأن، والتي تتعلق أولاها بمبدأ الفصل بين السلط، إذ أنه سيكون من الطوباوية التفكير في القطيعة والفصل الميكانيكي بين الأجهزة والهيآت، فدستور 2011 في فصله الأول نص على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعدم القدرة على تنزيل التوازن والتعاون سيحدث حتما فصلا ميكانيكيا يساهم في اختلال وظائف الدولة.

أما الملاحظة الثانية، فلا يمكن أن نتصور تجريد وزارة العدل من اختصاصاتها فرعا للسلطة التنفيذية والمتمثل دورها أساسا في توفير كل الخدمات والتجهيزات الفنية والمالية والإدارية لجميع أجهزة القضاء لأداء رسالته، بما يكفل حسن سير عمله وسرعة الفصل في القضايا وتنفيذها وتحقيق العدالة بين الناس، وإذا طرحنا السؤال بمفهوم المخالفة، هل تستطيع السلطة القضائية كبنية أفقية وضع وتنزيل أي إستراتيجية متعلقة بالسياسة العمومية في مجال العدالة، بما يتطلب ذلك من توفير للموارد البشرية والتدبير المالي والتجهيزات والمعلوميات وإحداث المحاكم والمراكز القضائية واقتراح واعداد مشاريع القوانين والنصوص التنظيمية اللازمة لضبط إجراءات التقاضي وتحقيق العدالة ؟
إن هذه وتلك من صميم الاختصاص الأصيل للعمل الحكومي في كل التجارب المقارنة وفي الديمقراطيات العريقة التي ترتكز أنظمتها السياسية على مبدأ الفصل بين السلط.

> لكن ألا ترون أنه لا يجب التطاول على اختصاصات السلطة القضائية، وإخضاعها للسلطة التنفيذية؟
> عند مراجعتنا للمستندات الداعمة للأطروحة القائلة بالفصل المؤسسساتي القطعي، خصوصا منها المرجعيات الدولية لاستقلال القضاء، والتي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لميلانو 1985 ونشرت بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة32/40 و146/40 لسنة 1985، أو المعاهدات الدولية والاعلان العالمي لحقوق الانسان لم نجد أي مقتضى أو تأويل لنص يبين أن إسناد التدبير الإداري والمالي والتقني للمحاكم لوزارة العدل يؤثر على استقلال القضاء، هذا من جهة ومن جهة اخرى نطرح سؤالا آخر،

هل أسند المشرع في التنظيم القضائي الجديد أي اختصاصات جديدة للسلطة التنفيذية أو أضاف إليها مهام لم تكن تمارسها من قبل؟ إن ما قام به المشرع هو إعادة ضبط وتركيب وتنظيم ما كان موكولا للوزارة منذ عهد قديم لضمان الفعالية والنجاعة المطلوبة، مستحضرا تنوع وحجم الوظائف المتزايدة والانشطة التي يقوم بها مرفق العدل، وهو ما يتطلب زيادة في الموارد والوسائل والآليات وتحديث هيكلة المحاكم واعتماد تقسيم العمل وتنظيمه وتبسيطه وفق التحديات والرهانات، التي تتطلبها التحولات الراهنة والمستقبلية للعدالة.

> من الناحية العملية ما هي الأسس التي تعتمدونها في دفاعكم عن التنظيم القضائي؟
> لابد في البداية من قراءة النصوص والأوراق المرجعية قراءة هادئة ومتأنية، ومن خلال ما سبق ذكره يتضح جليا أن مرفق العدل هو مجال حقيقي لإبراز ذلك التعاون والتوازن الذي نص عليه دستور 2011، علما أن الخط الأحمر الذي يفصل بين تدخل السلطة القضائية وتدخل وزارة العدل داخل المحاكم هو خط واضح المعالم سواء في التنظيم القضائي القديم أو الجديد، فسلطة القضاء كانت دائما مستقلة ومحصنة، علما أن مبدأ الاستقلالية يبقى مرتبطا بالضمانات الفردية الممنوحة للقضاة في إصدار الأحكام دون تدخل من أي جهة، و هي الضمانات المنصوص عليها في الفصول 108 و 109 و 110 من دستور 2011، بل إن هذه الضمانات تم تعزيزها بضمانة جديدة، ألا وهي فصل النيابة العامة عن وزير العدل، فصار قضاة النيابة العامة اليوم تابعين بحكم القانون لرئاسة النيابة العامة و لا يتلقون التعليمات سوى من طرفها فقط، و هو ما ينفي أي إمكانية للتدخل في مجال السلطة القضائية، علما ان مجال تدخل وزارة العدل بالمحاكم هو مجال مؤطر أيضا بالدستور من خلال الفصل 89 الذي وضع الإدارة تحت تصرف الحكومة، و من خلال الباب الثاني عشر المتعلق بالحكامة الجيدة، حيث نصت الفقرة الثانية من الفصل 156 على أنه “تقدم المرافق العمومية الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل، وتخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم “.
ولا ريب أن هذه المحددات هي الكنه الخالص لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يفترض عقلا ونقلا أن يتم تدبير المحاكم إداريا و ماليا من طرف وزارة العدل، حتى تتم مساءلتها ومراقبتها خارجيا أمام البرلمان وأمام المجلس الأعلى للحسابات وأمام المفتشية العامة للمالية.

نقص في اللاتمركز

إن التصور المتوافق عليه من قبل المشاركين في الحوار الشامل والعميق لإصلاح منظومة العدالة، الذي يبقى من أهم مخرجاته إقرار ميثاق حظي بموافقة ملك البلاد، وأهم ما جاء في هذا الميثاق على مستوى تشخيص وضعية أساليب تدبير مرفق القضاء أن الإدارة القضائية تعاني نقصا في اللاتمركز الإداري والمالي، ومحدودية الأخذ بقواعد الحكامة الحديثة، والجمع بين مهام المسؤولية القضائية و الإدارية على صعيد المحاكم، وهو مربط الفرس في تنزيل منصب الكاتب العام بالمحكمة، الذي سيكون مساءلا عن تدبير المحاكم ماليا وإداريا وبشكل يتوافق مع مبادئ دستور 2011. وحري عن البيان أن المراقبة الخارجية سالفة الذكر تقتضي بالضرورة إرساء دعائم مراقبة داخلية للإدارة القضائية تشرف عليها المفتشية العامة للشؤون الإدارية والمالية بوزارة العدل، وهي مراقبة يفترض فيها ان تقف عند الاختلالات إن وجدت لتقويمها، وتعمل على توحيد وتحديث العمل بالمحاكم على المستوى الإداري والمالي، حتى يظل مرفق العدل مرفقا محصنا ومتلائما مع مبادئ الحكامة الجيدة في التدبير والتسيير.

استقلال القضاء

لسنا في حاجة للتذكير أن التركيز ينبغي أن ينصب على المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية المتعارف عليها والمعروفة لدى الرأي العام الدولي، والتي تعتمد عليها مؤشرات التقارير الدولية لاستقلال ونزاهة القضاء، ودراسة ما إذا كانت الأنظمة والقوانين المحلية تجسدها، ونخص بالذكر مبادئ بنغالور للسلوك القضائي والميثاق العالمي للقضاة، ومبادئ مجلس بيرغ بشأن استقلال السلطة القضائية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق