دوليات

“شنغهاي” مثال في العمل التطوعي

مكاتب تستقبل الراغبين في العمل التطوعي
أساتذة جامعيون وأطباء وطلبة يعرضون خدماتهم تطوعا خلال أوقات فراغهم

أول ما يثير الانتباه في شوارع «شنغهاي» بعض الأشخاص الذين يحملون شارة حمراء كتب عليها كلمة «متطوع»، وتجد مثلهم موزعين في مختلف الأماكن ويؤمنون خدمات للمواطنين من قبيل التربية على كيفية المرور عبر الشوارع وتأطير المارة في مجال قوانين السير وحثهم على احترامها.
لكن، لا يقتصر العمل التطوعي على هذا المجال، بل يشمل كل مناحي الحياة، إذ أصبح هذا المجال مكونا من مكونات الثقافة الصينية. فالصينيون يعتبرون أن من الأنانية انغلاق الشخص على ذاته والاكتفاء بالعمل بالمقابل. لذا تجد أساتذة جامعيين وأطباء وممرضين وكل شخص له مؤهلات يجعلها رهن المواطنين وفي خدمة الصالح العام.
فهناك بعض الأساتذة الجامعيين الذين بعد انتهاء مدة عملهم في الجامعات والمعاهد ينتقلون إلى البوادي والمناطق الفقيرة من أجل تمكين المواطنين من مؤهلاتهم ومساعدتهم على تحسين حياتهم. وهناك متطوعون يساعدون كبار الأشخاص وذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك في أوقات فراغهم. بعض المنتديات متخصصة في تجنيد متطوعين من أجل تعليم اللغة الإنجليزية للصينيين. توجد العديد من الجمعيات أو بالأحرى  المنتديات (لأن القانون الصيني يمنع إنشاء جمعيات)، التي تنظم العمل التطوعي. وينخرط العديد من الشباب في هذه المنتديات من أجل العمل التطوعي، وذلك  بتفان وبحب، إذ يمكن أن يشتغل المتطوع لأكثر من ثماني ساعات دون  ملل، رغم أن ما يقوم به عمل خيري لا يتقاضى عنه أي مقابل مادي. ويصبح المنخرطون الجدد بمثابة قوة جذب إضافية لهذه المنتديات، إذ يعملون بدورهم، بعد اقتناعهم بالفكرة وبنبلها، على استقطاب أصدقائهم وأقاربهم للانخراط في هذه المنتديات.
وتعتبر الصين من أكبر البلدان المستفيدة من المنتديات الدولية للعمل التطوعي، إذ تنشط العديد من هذه المنتديات بمختلف جهات الصين، وذلك لوجود مناخ اجتماعي مساعد على مثل هذه الأنشطة، فالإنسان الصيني مستعد للعمل لساعات طويلة وبانتظام ملحوظ.
خلال جولاتنا ببعض شوارع «شنغهاي» كنا نلاحظ بعض الأشخاص الذين يرتدون زيا رسميا وينتصبون أمام إشارات المرور ينظمون حركات المارة ويرشدون الأشخاص عن الوجهات التي يريدون قصدها، ويحملون في أذرعهم شارات كتب عليها متطوع.
أوضح لنا عدد من الطلبة المغاربة ب «شنغهاي»، الذين كانوا يرافقوننا في جولاتنا بالمدينة، أن هؤلاء الأشخاص لا يتقاضون أي أجر وأنهم خلال أوقات فراغهم يعرضون أنفسهم للتطوع من أجل تنظيم حركة السير وحث المواطنين على احترام القوانين المعمول بها. بعض الطلبة المغاربة بدورهم انخرطوا في منتديات العمل التطوعي ويزورون العديد من الدول من أجل تقديم يد المساعدة، علما أن هذه المنتديات ذات طابع عالمي، لكن الرابط المشترك بين أعضائها يظل العمل الخيري وتأطير الشباب من أجل الانخراط في هذا المجال من العمل الإنساني.
إذا كانت الصين حققت قفزة نوعية في ظرف وجيز، فإن جزءا كبيرا من ذلك يعود إلى المجتمع والثقافة السائدة فيه، إذ أن الإحساس الوطني يعلو فوق كل الاعتبارات، ولو لم يكن العدد الكبير من المتطوعين لما استطاعت الصين إنجاح العديد من التظاهرات العالمية مثل الألعاب الأولمبية، التي احتضنتها الصين خلال 2008، التي عرفت انخراط أكثر من مليون متطوع استفادوا من دورات تدريبية مكثفة وشاركوا بعد ذلك في تنظيم هذه التظاهرة الدولية. الأمر نفسه ينطبق على المعرض الدولي «إكسبو 2010»، الذي تحتضنه العاصمة الاقتصادية الصينية «شنغهاي» ما بين فاتح ماي ونهاية أكتوبر الجاري، فهناك المئات من الآلاف من الأشخاص مجندين في إطار العمل التطوعي لإنجاح استضافة الصين للمعرض.
وفي هذا السياق يمكن القول إن العمل التطوعي أصبح أحد أهم الآليات لدى السلطات الصينية من أجل تعبئة الجماهير وإدماجها في المخططات الوطنية الكبرى، إذ تستثمر في هذا المجال من أجل ضمان انخراط المواطنين في المشاريع المجتمعية المهيكلة وإنجازها بتكلفة أقل.
إن التجربة الصينية في هذا المجال تستحق دراسة مستفيضة من أجل الاطلاع على مكامنها وأسباب نجاحها.
إن المغرب، الذي يعيش حاليا ديناميكية نوعية بحاجة إلى مثل هذه المبادرات من أجل مواكبة المشاريع ومن أجل إقناع الشباب بالانخراط في العمل التطوعي، إذ بدون ذلك لا يمكن القضاء على الأمية أوعلى الفقر، في ظل الخصاص الملحوظ في الموارد. ففي حالة المغرب يصبح العمل التطوعي أحد الركائز الأساسية التي يتعين التفكير فيها.  
وفي هذا الباب يبرز دور المجتمع المدني.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض