خاص

التقارير الدولية ومحك الدفاع عن المرجعية الكونية

حرزني متحفظ عن حيادها وأمين مدافع عنها والوديع ينتقد منطق استكبارها

ما تزال المنظمات الحقوقية الدولية تعتبر  المغرب بلدا ” لا يحترم الحريات الفردية والجماعية”، من خلال استمرار ” الاعتداءات على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات ، خاصة في قضايا المس بسلامة الدولة الداخلية والخارجية، وتفيد تقارير هذه المنظمات، في مجملها، أن تجاوز “الخطوط الحمراء” من قبل الصحافيين يفضي إلى متابعتهم قضائيا، وأن ” مضايقات” يتعرض لها أعضاء جماعة العدل والإحسان من قبل أجهزة الأمن المغربية، فضلا عن محاكمة أطرها، تعكس، من وجهة نظر هذه المنظمات، استمرار التضييق على حرية التجمع والتعبير، وترى هذه المنظمات بمرآة الماضي التطور الحقوقي الذي عرفه المغرب في السنوات الأخيرة، لأنها تعتبر أن صفحة الماضي لم تطو بعد، وأن مجهولي المصير في سنوات الرصاص ما يزال ملفهم مفتوحا، وأن المسؤولين عن الانتهاكات مازالوا ينعمون بالحصانة.
هذا نموذج من التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية حول أوضاع حقوق الإنسان في المغرب، والذي بسط صورة “رمادية ” عن الوضع الحقوقي في المغرب، ولم يهمل أدنى نقطة تتعلق بما يدعوه ب”معارضي النظام القائم”، إلا واعتبر أنها تستحق التنديد، رغم أن التقارير التي تعدها المنظمة المذكورة، وتلك التي تسير على منوالها، تعتمد مصادر محددة في صياغتها وإخراجها إلى حيز الوجود، كما أن هذه التقارير تلجأ في الغالب إلى كل من يحسب على هامش اللعبة السياسية، فضلا عن مجموعات مهما بلغ توجهها، يساريا كان أم إسلامويا، لأخذ أقوالها وشهاداتها على سبيل اليقينيات.
إلا أن تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وإن كانت في نظر البعض لا تبدو موضوعية ومتحاملة أكثر على المغرب، فإنها مع ذلك تعد في نظر البعض الآخر، وسيلة ضغط خارجية للدفع في اتجاه دمقرطة أكثر للمؤسسات، وفضح مختلف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإجبار المغرب على التوقيع على اتفاقيات دولية مايزال متحفظا على بنودها.
ويرى أحمد حرزني، رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، أن تقارير المنظمات الحقوقية الدولية تفتقد الحياد والموضوعية في غالب الأحيان، لأنها، برأيه، تعكس توجهات سياسية وايديولوجية معينة، بغض النظر عن حديثها عن الدفاع عن المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، وللأشخاص المتحكمين في اتخاذ القرار داخلها، حسب حرزني، ميولات سياسية محددة، وينتمون إلى أحزاب سياسية بعينها.
ويقيس حرزني وجود مرجعية وأجندة سياسية لهذه المنظمات الدولية بما يجعلها بعيدة عن الدفاع عن المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، على ما يجري بين الجمعيات الحقوقية بالمغرب، فسواء تعلق الأمر بالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان أو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أو العصبة المغربية لحقوق الإنسان أو المركز المغربي لحقوق الإنسان أو منتدى الكرامة وغيرها من الجمعيات، فكلها ، حسب حرزني، محكومة بمرجعية سياسية حزبية محددة، رغم إدعائها الدفاع عن كونية حقوق الإنسان، وبالتالي يغيب الحياد التام، يضيف المصدر ذاته، عن تقاريرها ومواقفها.
أما عبد الحميد أمين، عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فإنه لا يتردد في الدفاع عن تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، سواء تعلق الأمر بتقارير منظمة العفو الدولية، أو هيومان رايتس ووتش، أو الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، وكذا تقارير الخارجية الأمريكية، وشبكة الشرق الأوسط، لأنها، في نظره، تصاغ خارج سياق الضغوطات التي تمارسها الدولة المغربية على المكونات الحقوقية المغربية، وبالتالي فهي لا تجامل المغرب وتتسم بالموضوعية.
ويوضح أمين أن إعداد هذه التقارير الحقوقية الدولية يعتمد على تقارير الجمعيات الحقوقية الوطنية، وعلى رأسها، تقارير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، كما أن الزيارات التي يقوم بها مسؤولوها للمغرب، تكون فرصة للتداول مع مسؤولي الجمعية في عدد من المحاور الأساسية التي تعتمدها هذه المنظمات الدولية في تقاريرها السنوية والدورية حول المغرب.
ويرى المصدر ذاته، أن  ما يزعج المغرب وعددا من الهيآت الحقوقية التي “تطبل” لمنجزات الحكومة انطلاقا من مواقف حزبية مضمرة، من تقارير المنظمات الدولية هو أنها تتناول الانتهاكات بكل شفافية ودون أدنى تحفظ، فتقارير السنتين الماضيتين، يضيف أمين، عكست سنة حقوقية بيضاء في المغرب، لأنها افتقدت، برأي المتحدث، إلى مكتسبات حقوقية ملموسة، فالمغرب لم يصادق بعد على عدد من الاتفاقيات الدولية، كتلك المتعلقة بإلغاء عقوبة الإعدام، واتفاقية الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتلك المتعلقة بالحريات النقابية التي أقرتها منظمة العمل الدولية، فضلا عن اتفاقية القضاء على الاختفاء القسري، ورفع التحفظات على اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
ويرى عبد الحميد أمين أن استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يجد صدى له، في استمرار قمع حرية الحريات الجماعية والفردية، والاعتقالات خارج القانون في ملفات الإرهاب، ثم الاعتقالات السياسية التي تطول الأصوات المعارضة للنظام من وجهة  نظره.
أما صلاح الوديع، فاعل حقوقي وعضو سابق في هيأة الإنصاف والمصالحة، فيرى أن منطق الاستكبار هو السائد لدى هذه المنظمات، وأن هذا المنطق لا يمكنه أن يحاكم بالنزاهة المطلوبة تجارب بلدان عانت من الاستكبار والاستعمار ردحا من الزمن، ويضيف المصدر ذاته، أنه صحيح أن منطق التجزيء أو الانتقاء لا ينبغي أن يشمل حقوق الإنسان، إلا أنه ينبغي الحكم، برأيه، على التجربة التاريخية لكل بلد، من زاوية خط كتصاعد ولو بتردد مفهوم حضاري وتاريخيا، وهذه النسبية في الحكم هي التي تنقص ” خبراء” حقوق الإنسان الدوليين، الذين يقضون سنوات من عمرهم، حسب الوديع، في الدفاع عن حقوق الإنسان قبل أن يتفرغوا بعد ذلك لأشياء أخرى.

رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق