fbpx
افتتاحية

لعب بالنار

أسقط سعد الدين العثماني رئاسة الحكومة في متاهة “الولاءات السياسية”، وسن عرفا جديدا يغلب فيه الانتماء الحزبي على احترام استقلالية المؤسسات الدستورية، في زلة لها انعكاسات تفوق حدود قضية عبد العالي حامي الدين.
لم يمتلك العثماني شجاعة الاعتراف أمام مناضلي حزبه بقدسية احترام القضاء وقراراته، فسلك طريق دغدغة العواطف، دفاعا عن حامي الدين، في تقليد سارت عليه كل حكومات “بيجيدي” منذ 2011، وأدت إلى أزمات سياسية واقتصادية، وهددت تماسك الحكومات، وجعلت مؤسسة رئاسة الحكومة، إما ضعيفة وعاجزة أو تمارس صلاحياتها الدستورية بمنطق الانتقاء.
لا يمكن فهم دفاع سعد الدين العثماني في حدود علاقة شخصين داخل الحزب، فتصريحاته الأخيرة تكشف رؤية الأحزاب السياسية للمؤسسات الدستورية، باعتبارها وسيلة لتحصين فئة ما، والأمثلة كثيرة لتصريحات وزراء ينتمون للحزب نفسه سعوا إلى التأثير على القضاء، دفاعا عن أعضاء الحزب.
نطق سعد الدين العثماني في قضية حامي الدين، بقلب ولسان العدالة والتنمية، وباح بما أضمره منذ توليه رئاسة الحكومة، واختار الدفاع عن عشيرته وقبيلته، والانتصار لـ “أخيه”، متجاهلا سمو القوانين فوق كل الاعتبارات السياسية والحزبية.
ولم يأبه رئيس الحكومة بأن التأثير على “ميزان العدالة” يُصنف ضمن العبث السياسي، حتى أنه وصف قرار قاضي التحقيق بفاس بمتابعة حامي الدين من أجل جناية المساهمة في القتل العمد، بـ “غير المفهوم وغير المعقول”، واعتبر محاكمته ” تضرب في العمق الأمن القانوني واستقرار القرارات القضائية”، في رسالة واضحة إلى أن أنصار حزب “بيجيدي” فوق القانون ويحق لهم ما يمنعه القانون على باقي أفراد الشعب.
ولأن تصريحات العثماني، تدغدغ مشاعر “الإخوان” غير الآبهين بخطورتها، فلا بأس أن نذكرهم أن “عرفه” الجديد لن يؤدي إلا الى الكوارث، ولهم أن يتصوروا رئيس حكومة معارضا لإيديولوجيتهم يؤلب مؤسسات الدولة ضدهم… ألا يفتح ذلك باب جهنم؟
لم يقر العثماني أن تصريحاته إثم كبير في حق المؤسسات الدستورية، فالأولى الدفاع عن القضاء، وفي أضعف الإيمان احترام قراراته، وقضية حامي الدين سيطويها النسيان، سواء بالإدانة أو البراءة، لكن التاريخ سيذكر أن رئيسا للحكومة انتصر لعضو في حزبه على حساب العدالة.
أجاد رئيس الحكومة دغدغة مشاعر أتباع حزبه، وادعى أن موقفه ليس عاطفيا ولا سياسيا، وإنما موقف مبني على رؤية قانونية وحقوقية، فاستعار سياسة سابقه عبد الإله بنكيران، الذي طالما برر تصريحاته باختلاف قبعة المسؤول الحكومي عن الحزبي، التي جرت على المغرب أزمات كبرى، لكنها كشفت عن تشبث “بيجيدي” بالعشيرة والقبيلة. فالعثماني رئيس حكومة كل المغاربة، وليس لحزب العدالة والتنمية، و”آيت الجيد” وأسرته وفئات كثيرة تدعم قضيته، توجهت إلى القضاء لثقتها فيه، وآمنت بأن الجميع سواسية أمام القانون، فاصطف رئيس الحكومة خصما لها… إنه اللعب بالنار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى