fbpx
حوادثمقالات الرأي

أنس سعدون: حضور الرئيس المنتدب إلى البرلمان

تقديم ميزانية المجلس أو رئاسة النيابة العامة من قبل وزير العدل لا يعتبر مسا بمبدأ استقلال السلطة القضائية

بقلم: أنس سعدون *

تداولت وسائل إعلام وطنية عديدة أنباء عن تأخر عرض مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل خلال 2019، نتيجة تشبث ممثلي الأمة بضرورة حضور الرئيس المنتدب الى البرلمان لعرض الميزانية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، عوض عرضها من قبل وزير العدل، وذلك من منطلقين أساسيين: الأول يتعلق بالاستقلالية، حيث طالب بعض ممثلي الأمة بضرورة حضور الرئيس المنتدب من منطلق أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، أما المنطلق الثاني فيتعلق البرلمان لسلطاته في مراقبة الميزانية، والتي تقتضي اخضاع مؤسستي المجلس ورئاسة النيابة العامة للمساءلة طالما أنهما يتوفران على ميزانية مستقلة.

قبل التطرق لهذه الاشكالية من وجهة نظر دستورية قانونية، لا بأس من التذكير بالمعايير الدولية المنظمة للاستقلال المالي للسلطة القضائية.
المعايير الدولية بشأن الاستقلال المالي
تؤكد مختلف الصكوك الدولية على حاجة القضاء لتلقي التمويل الكافي. وقد ذكرت المبادئ الأساسية للأمم المتحدة أنه: “من واجب كل دولة عضو أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة”.

ونص الميثاق الأوربي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة على أنه “من واجب الدولة تأمين الوسائل اللازمة للقضاة لإنجاز مهامهم على الوجه الصحيح، سيما في القضايا المستعجلة”.
وقد أعادت مبادئ بكين التأكيد على هذا المطلب وذكرت أنه: “من الضروري توفير الموارد الكافية للقضاة لتمكينهم من أداء مهامهم”.

وفي هذا الصدد أيضا، تضمنت “مبادئ مجلس لاتيمر” التي وافق عليها قضاة دول الكومنولث، نصا مفصلا عن التمويل جاء فيه أنه: “يتعيّن توفير التمويل الكافي والدائم لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها وفق أعلى مستوى من المعايير. ويتعيّن حماية صناديق تمويل القضاء من السلب وإساءة الاستعمال منذ لحظة إقرار السلطة التشريعية بمنح هذا التمويل. هذا، ولا يجوز استخدام هذه المخصصات أو حجب التمويل وسيلة لممارسة الرقابة على السلطة القضائية”.
وفي السياق الإفريقي، نصت المبادئ التوجيهية المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة في إفريقيا على أن “تقوم الدول بإمداد الهيآت القضائية بالموارد الكافية لأداء وظائفها. ووجوب استشارة القضاة بشأن إعداد الميزانية وتنفيذها”.

والجدير بالذكر أن المعايير الدولية تسمح لكل دولة بتحديد أفضل طريقة لضمان حصول القضاء على الأموال الكافية. فالتمويل الكافي هو أحد المكونات الأساسية لاستقلال القضاء. وينبغي أن يدرج هذا المبدأ في الأنظمة القانونية لكل دولة، سيما في الدساتير، حيث يتعين أن تتضمن هذه الدساتير أحكاماً بتخصيص نسبة ثابتة من ميزانية الدولة للنظام القضائي من أجل الامتثال لهذا المطلب.
وإذا كانت بعض الدول، سيما النامية منها، غير قادرة على إمداد القضاء بالموارد الكافية والتي تعتبر ضرورية لأدائه الوظائف بشكل جيد، فإن المعايير الدولية تطرقت لهذه الوضعية، حيث نصت مبادئ بكين في هذا الصدد على ما يلي: “في الحالات التي تحول المعوقات الاقتصادية دون تخصيص موارد كافية لمرافق أنظمة المحاكم، والتي من شأنها أن تمنع القضاة من أداء وظائفهم، تتطلب المحافظة على سيادة القانون وحقوق الإنسان إبلاء درجة عالية من الأولوية لتخصيص الموارد للجهاز القضائي والمحاكم”.

ميزانية السلطة القضائية بالمغرب بين الدستور والقوانين

لم ينص دستور 2011 على أن للسلطة القضائية ميزانية مستقلة، وانما نص فقط على الاستقلال المالي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، كما نص القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل الى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، على الاعتمادات المالية المرصودة لعمل مؤسسة رئاسة النيابة العامة تسجل في الميزانية العامة للدولة، ومن هذا المنطلق تبقى ميزانية السلطة القضائية جزءا من ميزانية وزارة العدل.

تقديم وزير العدل ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية بين الاستقلالية والتعاون
هل يعد تقديم وزير العدل لميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية أمام البرلمان شكلا من أشكال تدخل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية، أم أنه يعتبر صورة من صور التعاون بين السلطتين يؤطرها الدستور.

إن قرار المجلس الدستوري بمناسبة النظر في دستورية قانون 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية أجاب عن هذا السؤال، حيث اعتبر أن النظام الدستوري في المغرب لا يقوم فقط على أساس فصل السلط، بل ينبني أيضا على توازن هذه السلط وتعاونها، طبقا لما نص عليه الدستور في الفقرة الثانية من فصله الأول؛ ومن هذا المنطلق فإن مبدأ التعاون بين السلط يقتضي، عند الحاجة، إقامة علاقات تنسيق بينها قصد تحقيق غايات مشتركة، من خلال تسهيل كل سلطة لممارسة السلطة الأخرى لوظائفها خدمة للصالح العام؛ وبالتالي فإن تقديم ميزانية المجلس أو رئاسة النيابة العامة من طرف وزير العدل لا يعتبر مسا بمبدأ استقلال السلطة القضائية، وإنما مظهرا من مظاهر التعاون بين السلطتين، ينضاف الى مظاهر أخرى للتعاون وردت في قوانين السلطة القضائية، من بينها إمكانية  حضور وزير العدل نفسه في اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية لتقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية، أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة وفق شكليات خاصة حددها القانون، والتزام وزارة العدل ووزارة المالية وهما معا يمثلان السلطة التنفيذية باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ مقررات المجلس المتعلقة بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة بتعاون مع المصالح المختصة للمجلس (المادة 55 من قانون المجلس)…

ومن صور هذا التعاون أيضا نجد أن رئيس الحكومة سبق أن راسل الرئيس المنتدب طلبا لمقترحات المجلس بشأن برمجة الميزانية المقررة لفترة ثلاث سنوات مقبلة مدعومة بأهداف ومؤشرات نجاعة الأداء، مما يؤكد أن ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية توضع بالتشاور بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، هذه الأخيرة أبقى لها القانون الإشراف الاداري والمالي على المحاكم، وتحمل أجور القضاة وباقي موظفي القطاع.

ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية ونطاق صلاحيات البرلمان في المراقبة

تشبث بعض نواب الأمة بضرورة حضور الرئيس المنتدب الى قبة البرلمان لعرض ميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية من منطلق حق السلطة التشريعية في ممارسة صلاحياتها في مراقبة الميزانية.
وقبل التطرق الى هذا الإشكال، لا بد من الاشارة إلى أن الجدل المحتدم حاليا لا يتعلق بميزانية السلطة القضائية برمتها، والتي تدخل ضمن ميزانية وزارة العدل، طالما أن الدستور لم ينص على ميزانية مستقلة للسلطة القضائية، ويشمل هذا الجزء أجور القضاة وميزانية المحاكم وباقي موظفي وزارة العدل، وتخضع لمناقشة البرلمان باعتبارها جزءا من ميزانية الوزارة المذكورة، دون أي اشكال، وانما تتعلق فقط بميزانية المجلس الأعلى للسلطة القضائية وضمنها ميزانية رئاسة النيابة العامة، يخصص الجزء الغالب منها للتسيير، وأداء أجرة كراء المقر، وقد أجاب عن هذا الإشكال بدوره القضاء الدستوري عند مناقشته لمدى دستورية المادة 110 من قانون المجلس، حيث يمكن الاستناد الى المبررات نفسها التي اعتمدها القرار المذكور المتعلقة بطريقة مراقبة البرلمان لتنفيذ السياسة الجنائية من قبل رئاسة النيابة العامة.

حيث اعتبر القضاء الدستوري أن “إعمال المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة  لا يمكن أن يتم، في ما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفية وبالأدوات ذاتها التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها”؛ ومن ثمة هناك آليات أخرى لتجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، من بينها أن السلطة القضائية نفسها مراقبة من قبل جهة تعيين الرئيس المنتدب، ورئيس النيابة العامة، ومن طرف باقي الفاعلين، بما فيها مكونات المجتمع المدني عن طريق آلية التقارير، التي فرض القانون تقديمها بشكل دوري. كما أن عرض وزير العدل لميزانية المجلس والتي تتضمن ميزانية رئاسة النيابة العامة يجد مبرره في آلية التنسيق المشتركة بين المجلس المذكور والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، والتي نظمها القانون(المادة 54)، وتم تفعيلها بعد صدور قرار ينظم آلية ومضمون هذا التنسيق.

*دكتور في الحقوق عضو نادي قضاة المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى