حكومة بنكيران تشن حربا "غير قانونية"على مقاهي الشيشة لأنها برأيها "أماكن مفرزة للانحراف" تجد حكومة عبد الإله بنكيران نفسها في موقع لا تُحسد عليه وهي تحاول أن تحارب طواحين هواء أو «خصوما وهميين» أو من دخان. لقد أطلقت هذه الحكومة، على إثر الضغط الشعبي الذي نقل صداه إلى قبة البرلمان نواب حزب العدالة والتنمية، حملة واسعة شملت عدد من المدن، ومن المرجح أن تتواصل لتتوسع في المدن التي مرت منها ولتنطلق صوب مدن أخرى، أثمرت إيقاف 608 أشخاص، إضافة إلى مصادرة المعدات التي تستخدم لتقديم الشيشة بهذه المقاهي. الحملة وبغض النظر عن خلفياتها أو أهدافها أثارت لغطا وجدلا واسعين في أوساط أرباب المقاهي وتوجسا في نفوس الداعين إلى الحفاظ على الحريات الفردية، وكان من جملة الحجج التي ساقها كلا الطرفين، هو أن الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة الملتحية «غير قانونية» ودليلهم في ذلك أن القانون الجنائي المغربي ليس فيه ما يجرم تدخين الشيشة، وهذا صحيح إلى حد ما طالما أن التهمة الرئيسة التي توجه إلى أصحاب المقاهي عندما يحلون ضيوفا على النيابة العامة هي أنهم يعدون «أماكن مفرزة للانحراف ومغذية للسلوكات الإجرامية»، وليس تدخين أو تقديم الشيشة. منطق دولة الحق والقانون يقتضي أنه وقبل شن حملات مداهمات واعتقالات لابد من وضع إطار وسياق قانونيين يسوغان أي تحرك من لدن الحكومة، وإلا فإن الأمر لن يتعدى كونه حملة مناسباتية ومزاجية لا هم لها سوى إثارة انتباه الرأي العام لكسب تعاطفه وتجييشه في قضايا قد تكون ذات أبعاد أكبر من مجرد استئصال مظهر من مظاهر «الإخلال بالأخلاق العامة ونشر الفساد».سهر حكومة بنكيران على أمن وأمان المغاربة في أموالهم وأعراضهم وأخلاقهم خطوة لا يملك المرء إلا أن يهلل ويصفق لها، لكن ما يثير المخاوف هو تضارب وتناقض الرسائل التي لا تكف هذه الحكومة عن إرسالها وفي كل الاتجاهات وكأنها تسعى إلى إرساء منظومة قيم وأفكار الحزب الذي يشكل الأغلبية داخلها، لكن دون أن تُفصح عن ذلك، وهو الأمر الذي يتعارض إلى حد ما مع شعارها وشعار حزب العدالة والتنمية الداعي إلى تبني الشفافية كقيمة سامية في تدبير الشأن العام.لقد آن الأوان لإخراج قانون التدخين في الأماكن العمومية، والذي من شأنه أن يوضح قواعد اللعب ويرسم حدود المسموح والممنوع في علاقة الأجهزة الحكومية وتعاملها مع مجموعة من الملفات التي تثير من الاستحسان لدى عامة الناس بقدر ما تثير من الانزعاج والريبة والشك لدى شريحة من المجتمع المغربي ما تنفك تزداد اتساعا من «إضمار» الحكومة الجديدة مخططا «غير معلن» يطمح، على المديين المتوسط والبعيد، إلى سن مجموعة قيم وأخلاق على «الجميع أن يسير على نهجها».الوقاية والتوعية والحماية أدوار من صميم المهام التي تُنتخب من أجلها أي حكومة، لكن كما أنها ملزمة بالحفاظ على «النظام أو الأمن العام» فإنها ملزمة بتحصين الحريات الفردية وتعزيزها وإيجاد «المخارج» القانونية التي تجنبها وتجنب البلاد الوقوع في فتن التأويلات والتأويلات المضادة. محمد أرحمني