fbpx
بانوراما

في خيمة علام … “على كَصاص الخيل”

في خيمة علام 1

لم تخل أيام الصيف من مواسم حج إليها الفرسان من المدن قبل البوادي وضاقت المحارك بالخيل في تجمعات صغيرة وكبيرة، وتسابق أصحاب السربات على حجز بطاقات المشاركة في مسابقات التبوريدة، التي زادت مجهودات الأميرة الراحلة للا أمينة من حدة التنافس فيها، إذ أصبح لـ “العلامة” هدف سنوي من خلال محاولة الظفر بواحدة من جوائز المسابقة الوطنية بدار السلام، ما نجمت عنه عودة الروح إلى طقوس وتقاليد نجت من حكم النسيان بفضل رجال لم تخطئ العيطة عندما قالت في حقهم “مالين الخيل خرجو الفعايل”.

يعتقد كثير من أدمنوا متعة الفرجة حول “المحارك” وأمام خيام مواسم “التبوريدة”، أن اللعبة واحدة موحدة بين جميع “سربات” مناطق المغرب، انطلاقة بطيئة للخيل ثم سرعة وتسابق قبل إطلاق النار في السماء أمام خيمة “القايد”، لكن الحقيقة غير ذلك تماما وكثيرة هي التفاصيل الدقيقة التي تجعل لكل علام طريقته.

يصر ميلود زريزع الذي يقود سربة “المجدبة”، نسبة إلى سيدي موسى المجدوب في جماعة الشلالات التابعة لتراب عمالة المحمدية على أن لركوب الخيل هوية المكان والزمان، في إشارة منه إلى حضور تاريخ قبيلة في اللباس والفرسان وكلام “المقدم” معهم وطقوس ما قبل وبعد “الحركة”، وفي كل السكنات والتحركات من “الحافظ الله” إلى الطلقة الموحدة.

عندما نزع فرسانه البرنس و”التماك” ويضعون البنادق والسيوف ويجلسون في خيمته نهاية كل يوم من موسم قبيل مجاورة “أولاد زيان” لم يتردد المقدم في تذكيرهم بأن المجدبة لا يطلقون النار والخيول واقفة، وأن الضغط على الزناد “التخريجة” يكون “على كَصاص الخيل” في منتصف الحركة، وليس بعد بلوغ خط النهاية.

ليس في مخيلة ميلود من حكايات طفولته إلا ذكريات “العود” و”الوثاق” الاسم الذي يطلق على خيام مواسم الفروسية التقليدية، فقد كانت أولى سفرياته في الشاحنة مع حصان عمه وأبيه منتقلا في ربوع الشاوية، من زعير إلى الفقيه بنصالح وأبي الجعد، المنطقة، التي جاءت منها تسمية “الشرقاوية” طريقة لعب “لمجدبة” خلافا لأصحاب الطريقة “الخياطية”.

لا يخجل من القول بأنه مصاب بجنون الخيل، إذ تظهر عليه علامات الاضطراب إذا حضر “التبوريدة”، ولم يمتط صهوة جواد، ولا يذهب إلى موسم من أجل الفرجة، منذ أصيب ذات يوم بنوبة عصبية غريبة ودخل في شبه غيبوبة مع خفقان شديد وهو يهم بالمغادرة دون ركوب، ولم يخرج منها إلا بعدما عرض أحد معارفه من الخيالة أن يأخذ مكانه، وقبل مضطرا كما لو كان طفلا صغيرا أعطي ما كان يبكي من أجله.
تتغير لغة علام المجدبة بمجرد اعتلائه صهوة الجواد، وتختفي نظرات الفلاح الخجول لتحل محلها نظرات محارب قادم من سنوات منتصف القرن التاسع عشر كما الحال بالنسبة إلى البندقية التي في يديه، التي يعود تاريخها إلى 1845، مازالت تتقدم خيل القبيلة منذ ذلك الحين في يدي أحد أحفاد من كان يحارب بها المستعمر منذ أكثر من قرنين من الزمن.

يصرخ بكلمات من قاموس الحروب القديمة، فأول ما ينطق به “بان”، في إشارة إلى أعضاء سربته بالتقدم واللحاق به حتى يظهر له خط السير بالخطى القصيرة المقرونة بتحركات أفقية من اليسار إلى اليمين ثم العكس، وقفز الحصان نحو الأعلى وقوفا على الحافرين الخلفيين حتى يظهر وجه كل فارس على حدة للمقدم وكأنه قائد معركة يتفقد الباقين على قيد الحياة قبل الهجوم الموالي.

وكما في الحرب تماما لا تغيب الموت عن طقوس الاستعداد للركوب، إذ في الوقت الذي ينهمك المساعدون في ملء البنادق بالبارود، لا بد لأعضاء السربة من تأدية الصلاة خلف المقدم متبوعة بدعاء الركوب.

ياسين قطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى