fbpx
بانوراما

الدين والدم … إبادة شعب الأندلس”: بداية التطهير الديني لـ “إسبانيا المقدسة”

“الدين والدم … إبادة شعب الأندلس” 1

لطالما أسال موضوع الموريسكيين مداد الكثير من الكتاب والمؤرخين، الذين حاولوا إسماع أصواتهم، ونقل مشاهد مما عانوه في إسبانيا خلال القرن السادس عشر، ليتوج مؤلف المؤرخ الإنجليزي، ماثيو كار، سلسلة من الأبحاث والدراسات، ويقدم خلاصاتها الأساسية، ضمن مؤلفه “الدين والدم… إبادة شعب الأندلس”.

نجح المؤلف في الإفلات من أسوار “الغيتو الأكاديمي”، بكتاب رصين ومحايد، يقدم قصة المورسكيين، أي المسلمين الذين جعلهم الإسبان يحملون هذا الاسم ازدراء، والذي يعني “الأندلسيين الصغار”.

تبدأ قصة المؤلف بالحرب الصليبية التي غزت لعشر سنوات مملكة غرناطة الأندلسية وانتهت بسقوطها عام 1492، التي كانت في الآن ذاته بداية لعملية طويلة من التطهير الديني والعرقي ل”إسبانيا المقدسة”، استهلت باليهود الإسبان، يقول المؤرخ الانجليزي، في العام المشؤوم نفسه، ثم تحولت إلى المسلمين على مدى أكثر من قرن. هذه الحرب الصليبية، جمعت جيوشا نصرانية ضمت في صفوفها كثيرا من المتطوعين الأجانب الذين جذبهم الوعد البابوي بغفران ذنوب من يحاربون الكفار، فضلا عن فرص النهب التي كانت توفرها أمثال تلك الحروب.

لم تسقط غرناطة في حرب كبرى بين جيشين، بل سقطت عبر حروب كثيرة دامت عقدا من الزمن، إذ “شق زهاء ستين ألف فارس وجندي من المشاة طريقهم عبر الوديان النهرية والسهول حتى جبال غرناطة العالية، مدعومين بإمدادات ووحدات غير نظامية، كانت مهمتها الوحيدة حرق محاصيل العدو وتدميرها”. خلال هذا الحصار، اضطر أهل غرناطة أكل الخيول والكلاب، وحتى الجرذان، قبل أن يضطر السلطان محمد الثاني توقيع اتفاقية استسلام المملكة، ليتوجه في الأخير إلى منفاه في جبال البشرات، تاركا خلفه شعبا ذاهلا من صدمة الاستسلام.

كان سقوط غرناطة سقوطا لحالة “الاستثناء الإيبيري” التي أقرت التعايش السلمي والقبول المتبادل بين المسلمين والنصارى واليهود في إيبيريا الإسلامية والنصرانية، على خلاف حالة العداء والحرب الدائمة بين المسلمين والنصارى في كل الأماكن الأخرى طيلة القرون التي فصلت بين ظهور الإسلام حتى أوائل العصر الحديث. وحتى إن كان هذا التعايش لم يصل إلى حد الأركادية (منطقة جبلية في اليونان القديمة) ما قبل التعددية الدينية والثقافية التي تخيلها بعض المؤرخين، فإنها كانت أكثر تسامحا من النظام الجديد الذي تلا انهيارها النهائي”.

فبعد أن كانت القاعدة هي القبول المتبادل “المشروط” بين أصحاب الأديان الثلاثة، الحرية الدينية “المقيدة” لأتباعها، حل نموذج التطهير الديني والشوفينية الثقافية في إيبيريا النصرانية.

كان اليهود، يقول كار، أول ضحايا التحول المشؤوم، فرغم أن اتفاقات الاستيلام ضمنت للأندلسيين من مسلمين ويهود مولدين، أي كانوا نصارى في عهد الممالك الإسلامية، الاحتفاظ بدينهم ومؤسساتهم الدينية، فإن الملكين فرديناند وإيزابيلا نقضا هذه المعاهدات ومعها نموذج التعايش السابق، وشرعا في تنصير اليهود قسرا.

فمع اكتمال “الاسترداد” وتوثق علاقات إسبانيا بالعالم النصراني، اكتسبت النصرانية الإسبانية الطابع الجهادي، الذي كان سائدا آنذاك بأوربا، وبدأ رجال الدين يحرضون الغوغاء ضد اليهود، “قتلة المسيح”، وبدأت عمليات التنصير القسري لليهود الذين خيروا بين التعميد والنفي، مع وضع عراقيل شديدة أمام الخيار الثاني، ضيعت معنى الاختيار، لتكون النتيجة تنصير عشرات الآلاف من اليهود في أشهر قليلة. تنصير اليهود، لم يمنع عنهم الأذى، إذ تم استصدار مرسوم بابوي أجاز تشكيل محكمة تفتيش في قشتالة، لكشف الزنادقة الذين ارتدوا إلى “شريعة موسى”.

هذه المحاكم ظلت تلاحق المنصرين اليهود 6حتى قضت على كل أثر لليهودية في إسبانيا والبرتغال.

هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى